عسكرة المحافظين..
لم تفاجئني حركة المحافظين التي جرت منذ عدة أيام في اختيار 8 عسكريين ضمن 12 محافظًا جديدًا، في حين حيَّر الأمر كثيرًا من الناس.
فقديمًا كان يعبِّر الحكيم المصري عن الشيء الذي يحيِّره في مصر فكان يقول: "يا بلدي فيك حاجة محيَّراني.. نزرع القمح في سنين.. يطلع القرع في ثواني!!"، واستغلَّ الخبثاء هذه المقولة لتبرير نقص القمح بطول فترة زراعته، ورغم الانتظار يُنبِت لنا قرعًا بدلاً من القمح!!.
ولم يكن يعلم الحكيم آنذاك أن المشكلة ليست في القمح ولا في القرع، ولكن في الحفاظ على مستقبل الفلاح الأمريكي؛ الذي لو لم نستورد منه محصوله فسيلقيه في البحر!! أما ما يحيِّر الحكيم المصري هذه الأيام فهو: لماذا كل شيء في بلدنا، خاصةً ووطننا العربي عامة، تُسنَد إدارته وقيادته إلى رجال الشرطة والجيش السابقين؟!
فلو أننا طبَّقنا مقولة تنظيم الأسرة قديمًا (انظر حولك) فسنجد العجب؛ ففي مصرنا الحبيبة (خلاف منصب رئيس الجمهورية) ستجد فيها الآتي: محافظ مدينتك: السيد اللواء..، ورئيس الحي الذي تسكن فيه: السيد اللواء..، ورئيس مرفق المياه: السيد اللواء..، بل رئيس هيئة الصرف الصحي: السيد اللواء..، ورئيس هيئة النظافة: السيد اللواء..، ورئيس هيئة التشجير والتجميل: السيد اللواء..، بل إن جميع الأجهزة داخل مجلس الشعب والشورى، من سكرتارية ومراسم واستقبال وعلاقات عامة، بل المكتبة وغيرها يرأسها سيادة اللواء.. أو دونه من عميدٍ وخلافه.
ولو فتحت التليفزيون لتشاهد مباراة كرة قدم سيطلُّ عليك سيادة اللواء أو العميد معلِّقًا، بل إن انتهيتَ من المباراة وأردتَ أن تستمع إلى رأي رئيس اتحاد الكرة أو مسئول في جهاز الشباب والرياضة، بل عضو في إدارة نادٍ رياضي ستجد اللواء في انتظارك.
لو فكرت في الذهاب للتبرع في جمعية خيرية أو حتى جمعية تخصُّ المسجد أسفل بيتك ستجد رئيسها السيد اللواء..
ستنتابك حالةٌ من الحيرة والخوف حتى تعتقد أنك لو فتحت باب الثلاجة ستجد السيد اللواء يجلس فيها يراقب حركة الوارد والمنصرف من الثلاجة!!.
فتقف وقفة تأمُّل وتقول: لماذا كل شيء في بلادنا يمسكه لواء سابق من العسكر؛ جيشًا أو شرطة؟ هل هو العَوَز والحاجة، فتساعدهم الدولة بالعمل بعد خروجهم على المعاش؟! أعتقد أن هذا السبب غير صحيح؛ فمعاش نهاية الخدمة للسيد اللواء يمكِّنه من العيش معزَّزًا مكرَّمًا هو وأولاده بل وأحفاده!!.
هل هي مكافأة ولاء على غرار علاوة الولاء ولكن في صورة عملية، يشكر فيها النظام من ساعدوه ووقفوا بجانبه وأنه لا ينسى رجاله أبدًا؟.. ممكن!!.
أعتقد والله أعلم أن الثورة التي مضى عليها 56 عامًا كرَّست، وما زالت تكرِّس، حكم العسكر في بلادنا، وانتقلت العدوى إلى جميع الدول العربية الشقيقة، وهو ما صادف هوى الدول العظمى، وعلى رأسها أمريكا في سهولة التعامل مع العسكر في جميع المستويات بدلاً من المدنيين.
فالسيد اللواء السابق يتعامل بمبدأ "تمام يا فندم" بلا جدال؛ فأحلام القيادة أوامر "وشخبطة ابن القائد رسم لمستقبل البلد"، وهو عصفورة في قفص القائد الصدري!!.
والسيد اللواء لا يجيد الطنطنة بالكلام والمعارضة والجدال، وهو يعتبر، حسبما يرزقه ربنا من رزق؛ "طلع محافظة، طلع وزارة، طلع حي أو هيئة أو مؤسسة".. يعتبره ثكنةً عسكريةً أو مديرية أمن يمارس (لواءته) عليها وتكون تحت السيطرة، ولا بد أن تنفَّذ التعليمات بدقة, لا بد أن تتجمَّل "كده وكده" عند زيارة المسئول الأعلى، ولا مانع من المشاركة في الانتخابات وإخراجها بالصورة المطلوبة طبقًا للتعليمات!!.
أما لو اختير محافظ أو مسئول مدنيٌّ صِرفٌ، أي لا يكون مدنيًّا عنده عدوى "لوائية" بالفطرة، فالتعامل معه سيكون صعبًا، "فسيعمل نفسه (فلوطة)" ويتكلم عن وجهة النظر والرأي الآخر والمصلحة العامة ورأي الجماهير، "والأبصر إيه، ومش حيخلصوا معاه"!! وهذا السبب الذي يؤكِّد لي "ويجعلني أضع في بطني بطيخة صيفي" أن موضوع التوريث في مصر لن يتم؛ لأن ماما أمريكا لن تقبل إلا أن يحكمنا لواءٌ سابق؛ فالموضوع لا يتحمَّل احتمالات؛ فاللواء الأبيض ينفع في اليوم الأسود!! وعليه أصبحت بلادنا: لواء في شرق بلادي، ولواء في غرب بلادي، ثكنة عسكرية هي كل بلادي.
يا سادة.. حكم اللواء حكمٌ مريح للأعصاب؛ فاللواء عاش وتربَّى على تقديس الأوامر، والأهم إجلال من هو أكبر منه رتبةً، ومخالفة التعليمات جريمة وخيانة؛ فهو عبد المأمور، وإن كنت لا أفهم كيف يكون لواءٌ عبدًا للمأمور وأعلى رتبة في برِّ مصر للمأمور هي عميد؟!
المهم.. نموت ونعيش ولا نعرف من هو المأمور الذي يعبده الجميع من دون الله، وينفِّذون تعليماته وأوامره بدون تفكير، حتى لو وصلت إلى أكبر مسئول فسيقول لك: أنا عبد المأمور!!.
ولا يجب أن تحدثك نفسك ولو سرًّا "ألم يأخذ اللوءات نصيبهم وحظَّهم طوال مدة خدمتهم العسكرية؟! أليس من العدل أن يتركوا شيئًا للمدنيين لكي ينعموا به ويأخذوا لهم "من الحب جانب"؟!!
وكما قلنا.. ليست مصر فقط؛ فبنظرة للأمة العربية ستجد أن جميع القادة حتى الشباب منهم لا بد أن يكونوا مرُّوا وتخرَّجوا في مؤسسات عسكرية، بل هناك مدن كبيرة في أوطاننا يديرها الأبناء وأولاد العمومة والأقارب، ولكن يختلف لفظ اللواء فيتحوَّل إلى الأمير، ولا يمكن أن يذهب منصبٌ لواحد من الدهماء أو أفراد الشعب المدنيين الغوغاء!!.
أما في الدول الغربية المتخلِّفة الرجعية!! فلم يصِلوا بعدُ لهذا الاختراع المذهل؛ فغالبًا ما يدير مدنها ومؤسساتها أفراد مدنيون جاءوا عن طريق "اللهم اجعله خير" الانتخابات من أكبر مسئول لأصغر مسئول؛ فهم مدنيون أولاد مدنيين، مارسوا السياسة منذ نعومة أظافرهم.. عايشوها وتعلَّموها وبرعوا فيها.
و"العجيبة الكبرى" أنَّ جميع اللواءات في طول بلادنا وعرضها لم يعرفوا عن السياسة شيئًا طوال مدة خدمتهم؛ فهي محرَّمة عليهم بحكم القانون ممارساتها أثناء الخدمة، بل حتى ممنوعون من التصويت والترشيح في أية انتخابات!! فكيف، بالله عليكم، تُسند إليهم مناصب سياسية بمجرد انتهاء خدمتهم؟!
حتى الشعوب العربية المغلوبة على أمرها انتقلت عدوى العسكرة إليها؛ فهي في أعيادهم وأفراحهم عندما يذهب أب لشراء ملابس العيد لابنه يختار له بدلة ضابط، بل والأكثر من ذلك أن أكثر حلم للأطفال بأن يصبح ضابطًا عندما يكبر.. هل ليمارس القهر الذي عاناه ويعانيه؟ أم ليعوضنا عدلاً وأمانًا؟!
والغريب أن أكثر لعبة تستهوي أطفالنا لعبة "عسكر وحرامية"، وفيها تختلط الأوراق؛ فلا تعرف من العسكر ومن "الحرامية"، حتى لعبة الشطرنج.. العسكر بها ثمانية، والفيل والطابية والحصان اثنان فقط، غير الوزير و"المعلم الكبير".
أعتقد أننا لا بد أن نعالج أنفسنا من هذه "العسكرة" التي أصابتنا قبل أن نقاومها؛ حيث أطلق إخواننا "المنايفة" المثل المشهور: "شريطة على كمي ولا ميت فدان عند أمي" تمام يا كمي.. آه يا أمي!!.
--------------
* مدير مركز ضحايا لحقوق الإنسان- haythamabokhalil@hotmail.com