حتى لا يلتبس على القارئ لست "خواجة" أعجم اللسان، ولست كذلك من هواة "عوج" اللسان حتى أنطق أو أكتب "محليات" بالحاء "مخليات" بالخاء، فليس مردُّ الأمر إلى اعوجاج لسان المقال، بل هو اعوجاج الحال والمآل الذي وصلت إليه مصر وطنًا ومواطنًا، في ظل نظام حكم يصر على أن يلوي أعناق الوطن وأعناق الحقائق وأعناق الدستور والقانون؛ ليجعل الانسداد انفتاحًا، والفساد إصلاحًا، والتزوير نزاهةً، والتعتيم شفافيةً، والبلطجة قانونًا ونظامًا!.
وكذلك لست أنطق باللهجة الصعيدية، مع اعتزازي الكبير بالصعايدة، حينما أقول الفكر "الجديم" بل أقصد مصطلحًا منحوتًا من الحرفَين الأولَين من كلمة "جديد"، "جد"، والحرفين الأخيرين من كلمة "قديم"، "يم" هذا من حيث الشكل.
أما من حيث الموضوع فالمتابع لما أطلق عليه انتخابات المحليات يجد أنها بالفعل لا محلَّ ولا مجال أن يطلق عليها محليات بل "مخليات"؛ فقد أرادها الحزب الوطني "مخلية" ليسهل عليه التهامها دون شريك، ودون أن يقف في حلقه شيء، ومن ثم فقد جاءت خاليةً من كل ما يمت للانتخابات بصلة، فقد:
- خلت من أوراق الترشيح.
- خلت من المرشحين.
- خلت من سيادة القانون واحترام أحكام القضاء؛ سواء التمكين من تسليم أوراق الترشيح، أو أحكام الإدراج بكشوف المرشحين، أو أحكام وقف إجراء الانتخابات.
- خلت من الناخبين.
- خلت من إشراف القضاء.
- خلت من ضمانات عدم التزوير والتسويد.
- خلت من الفرز.
وحيث إنها، لا أقول خلت، بل أُخليت وأُفرغت عمدًا مع سبق الإصرار والترصُّد من مضمونها أو حتى شكلها في ظل حكومة يبدو أنها لا تنجح في تحسين أو تطوير أي شيء في مصر إلا تطوير أشكال البلطجة والتزوير من المنبع حتى صار الحق أو الواجب الدستوري على كل مواطن قادر على المشاركة أن يتقدم ليحمل هموم الوطن ويشارك في إصلاحه ممنوعًا بالقوة والتحايل والاعتقال والامتناع عن تنفيذ أحكام القضاء، وأصبح مجرد الحصول على أوراق الترشيح أو تقديم أوراق الترشيح غايةً لا تُدرَك وأملاً لا يتحقَّق، وأصبحنا نهنِّئ ليس من نجح في الانتخابات، بل الذي نجح في الحصول على أوراق الترشيح أو نجح في تقديمها!! كل هذه المهازل مثَّلت "نقطةً" فاصلةً بين كونها محليات وكونها "مخليات".
أما أسباب ذلك ومقدماته ومنطلقه إنما يرجع إلى الفكر "الجديم" للحزب الوطني المتسلط، ولا أقول الحاكم، فقد حاول بعض العقلاء أن يجدد من نفسه وأفكاره وتجربة هامش ديمقراطي محدود وإجراء انتخابات شبه نزيهة في عام 2005م، ولكنه ربما صُدِمَ من النتيجة؛ حيث اكتشف عزلته عن الواقع والجمهور، وأن الخمس تسعات التي أوهم بها نفسه من قبل كانت تُخفي وراءها عجزًا وفشلاً ذريعًا على أرض الواقع وفي وسط الجماهير؛ فجاءت نتائج الانتخابات ليحصل فيها على نسبة أقل من 30% ممن رشَّحهم.
وقد اكتشف أنه يعاني من حالة ترهُّل شديد وضعف لياقة مميت، وبدلاً من أن يبدأ برنامجًا علاجيًّا يرفع به لياقته، ويجدِّد به نشاطه ليتعافى ويتعافى معه الوطن من حالة الانسداد السياسي والاحتقان الاجتماعي والتدهور الاقتصادي، ويبدأ بإصلاح سياسي وإعداد برنامج عمل تتوافق على وضعه جميع القوى السياسية والمجتمعية، ويتنافس كل فصيل سياسي حسب رؤيته وبرنامجه لإصلاح حال الوطن والمواطن، ومن ثم يكون قد بدأ مرحلة جديدة بفكر جديد فعلاً.. إذا به تغلب عليه طبيعته التسلطية العاجزة ليكملها، ونجده يختار ما يتوهم أنه الأسهل ويعهد بالملف إلى عصا الأمن بدلاً من عقل السياسي لتعود "ريمة لعادتها القديمة"، ويرتكس قبل أن يكتمل الفكر "الجديد" إلى فكر "جديم".
فهل يفلح هذا الفكر في حل الأزمات الطاحنة التي تجتاح الوطن والمواطن؟! والى أين يأخذنا هذا الفكر "الجديم" بعد أن أصبح الحزب الوطني متخصصًا بل محترفًا في خدمة توصيل المشاكل إلى المنازل؛ ففي كل بيت في مصر عاطل أو عانس أو مريض أو معتقل، وبعد أن نجح نجاحًا باهرًا في استكمال مسيرة الطوابير المتوازية أو المتوالية؛ طابور العيش.. طابور البطالة.. طابور المرضى.. طابور العنوسة.. طابور الهجرة.. طابور المنتحرين.. طابور أولاد الشوارع.. طابور المعتقلين السياسيين.. ناهيك عن طابور النقابات المؤممة والأحزاب التي تنتظر الرخصة من الحزب الحاكم!.
فهل يريد عاقل أن يأخذ البلاد إلى الفوضى التي تغرق الوطن في بحر من الضباب والتيه وتأتي على القليل الأخضر والكثير اليابس؟!
أيها العقلاء.. ولا يعدم العقلاء أو ييأس من وجودهم، تقدموا وانزعوا الفتيل من أيدي العابثين، وافتحوا طاقةً من الأمل في إصلاح ينقذ الموقف الخانق ويعلي مصلحة الوطن، بعيدًا عن النظرة الأنانية المحدودة أو الطمع الشخصي الذي يلقي الطوق حول عنق الوطن وعنق صاحبه ولو بعد حين.
أيها العقلاء.. تقدموا، ولنبدأ مرحلةً جديدةً فعلاً بفكر وعقل جديد ودعكم من "الجديم"!!.
--------------
* الأمين العام المساعد للكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين.