د. حامد أنور

 

الحزب الوطني الديمقراطي هو الفصيل السياسي الأوحد على الساحة المصرية الذي يتاجر بالدين من أجل مصالحه الخاصة وأهداف شخصية تأتي بنتيجة متعارضة مع الدين تمامًا وليس في ذلك أي تجنٍّ أو افتراء، بل هي الحقيقة الناصعة في أشدِّ لحظات الانجلاء.

 

فمع كل انتخابات هزلية أو استفتاءات مثيرة للسخرية لا يستحيي أن يخرج علينا العلماء الموظَّفون بالحديث عن أهمية الإدلاء بالشهادة والذهاب للانتخابات رغم عدم وجود ضمانات تحمي تلك الشهادة من التدليس، بل إنهم يغضون الطرف عمَّا تتضمنه محتوى الورقة الانتخابية من كوارث، كالتعديلات الدستورية مثلاً.

 

أيها السادة.. لقد قرَّرنا أن نبدأ الحكاية من أولها: إن قوى الهيمنة الغربية قد ارتضت للدول العربية والإسلامية نموذج "هوبز" للدولة المدنية، وقد أسماه هوبز لوياثان أو الشيطان، والذي ينصح بأن تخضع المؤسسة الدينية خضوعًا تامًّا للدولة، ويتحوَّل علماؤها إلى موظَّفين يعملون على تثبيت أركانها وترسيخ دعائمها تجعلهم يسيطرون على الشعب، لا ينصحون الحاكم، يروِّضون المواطنين، لا يقوِّمون سياسة الحكم بالكلمة والحجة، لقد جعلت بوصلة علمهم تنحرف إلى وجهةٍ أخرى.

 

يخرجون عند حدوث الاضطرابات والقلاقل لتخدير الناس وتكبيلهم وإعادتهم إلى حظيرة النظام وإن تجاوزت الحكومات وتمادت النظم وأفسد المسئولون.

 

إنَّ بضاعة أقوالهم دومًا توجه لأفراد الرعية أنهم يسيئون استخدام النصوص المقدسة ويضعونها في غير موضعها، وفي ظرفها غير الصحيح، وهذا أمر لا نقبله بالكلية؛ فنحن نريد للمؤسسة الدينية أن تكون قويةً مستقلةً بعيدةً عن أي ضغوط متحرِّرة من أي معوقات، ولكن من هوبز أصبحت النظم الحاكمة في العالم العربي تمتهن تلك التجارة.

 

أيها السادة.. إن الحزب الوطني يتاجر بالدين من أجل ترويج سياساته وإعطاء صك الشرعية لقراراته.

 

انظر مثلاً إلى وثيقة الإعلام العربي التي أعدَّها السيد أنس الفقي؛ فمن أجل أن تكون مستساغة لا بد من أن تتوشَّح وشاح الطهارة والدفاع عن الأخلاق وحماية الداخل العربي من المؤثِّرات الخارجية، ومع ذلك أغلق قناة "البركة" و"الحوار"، أما قنوات "مزيكا" و"ميلودي هيتس" فتحلِّق بانتعاش شديد في فضائنا الملوَّث.

 

إنهم يخلطون الغاية النبيلة بالقرارات الخبيثة من أجل أن تصبح سهلة الهضم، وهذا ما أشار إليه ميكافيللي في كتابه الأمير، فيقول: "وعلى الحاكم أن ينشر الدين وأن يُظهر نفسه بمظهر الرجل المتدين أيًّا كانت عقائده الخاصة، والحق أن تظاهر الأمير بالفضيلة أهم وأفيد من أن يكون فاضلاً بحق يجب أن يبدوَ لمن يرونه ويستمعون له كأنه الرحمة والإيمان والتدين والاستقامة مجسَّمة وعلى الإنسان أن يلوِّنَ سلوكه وأن يكون مرائيًا؛ لأن الناس سُذَّج منهمكون في حياتهم الحاضرة إلى حدٍّ يسهل خداعهم في مقدور كل إنسانٍ أن يرى مظهرك ولكن قل من الناس مَن يعرف حقيقة مخبرك أولئك النفر القلائل لا يجرءون على مخالفة رأى الكثرة فيك".

 

وهذا يذكرني بعبد الناصر الذي أتى أساسًا لضرب المشروع الإسلامي والذي تمثَّل في تلك الفترة في الإخوان المسلمين؛ فقد أصدر عبد الناصر قرارين مترادفين: الأول إعلان الإسلام دين الدولة في 16 يناير 1956م، وقرار آخر بإلغاء المحاكم الشرعية، وهو قرار لم يجرؤ الاحتلال البريطاني على اتخاذه، فحتى يقبل الناس القرار الثاني لا بد أن يخفِّف وقعه بالقرار الأول.

 

وها هي الفتاوى بدأت تخرج من جعبتهم بفعل مظاهرات عمال المحلة وصراخهم من أجل الحصول على الكفاف، ولأن الدستور يعطي الحق في الإضراب فلا بد من الالتفاف عليه بما يجود به أولئك الموظَّفون من نصوص مقدسة توضع في غير موضعها أن حديث: "وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك"، وإن كان الشرط لا يعني الجواز أو الوقوع.

 

كما يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (81)﴾ (الزخرف)، وكما في حديث: "وان استأمرت عليكم عبدًا حبشيًّا"، فالمعروف أن إمارة العبد لا تجوز، ولكن هذا الأسلوب البلاغي من أجل الحثِّ والحضِّ، ولا يعني: "وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك"، ألا تشتكي من الظلم وأن تعبِّر عن رأيك فيه؛ فهذا لم يمنع رجلاً بأن يقاطع عمر بن الخطاب على المنبر رافضًا السمع والطاعة؛ ظنًّا منه أنه أعطى لنفسه من القماش ما لم يعطهِ لبقية الرعية، كما أن البخاري ضمن باب السمع والطاعة إلا في معصية أي أنه في المعصية كما يقول البخاري لا سمعَ ولا طاعة.

 

لذلك نربأ بعلمائنا الأفاضل أن ينزلقوا بآيات الله وأحاديث رسوله إلى الاستدلال بها في غير مواضعها من أجل أهداف شخصية ومصالح خاصة بالحزب الوطني.

 

إن الحزب الوطني الذي لا يتورَّع عن المتاجرة بالدين وإلقاء علماء الأمة في زاوية لا تليق بهم عليه أن يتحمَّل نتيجة فشله في إدارة البلاد وإيصالها إلى تلك الدرجة من الانهيار لا أن يتاجر بالدين أبشع تجارة.

-------------

* d.hamedanwar@yahoo.com