![]() |
|
د. حامد أنور |
أحزنني الأسلوب الوحشي الذي تعاملت به قوات الأمن المصرية مع عمال غزل المحلة الشرفاء؛ فالأسلوب التتاري الذي تنتهجه قوات الأمن مع حركات الاحتجاج من أجل تسريب روح الخوف إلى الجميع وبثِّ الفزع في قلوب المواطنين؛ حتى لا يتحرَّك أحدٌ لا جدوى منه؛ فلهيب الجوع لن يخشى هراوات الأمن، ومرارة الحاجة وذل السؤال يقضيان على أي إحساس، ويمزِّقان أي شعو، وسيصيب الإنسان بالتبلد.
أيها السادة.. البطون الجائعة لا عقلَ لها، لا إحساسَ لديها، والآباء الذين يسمعون صراخ الأطفال ونحيب الصغار ويرون نظراتِ الانكسار في أعين الزوجات لن يخافوا من لغةِ الرصاص.
إننا لا نرضى أبدًا أن تتحوَّل قوات الأمن المصرية البطلة التي حاربت الاحتلال البريطاني في القناة إلى قتلةٍ للشعب ومخالبٍ للرأسمالية العالمية التي تنهش بلا رحمة أجساد الجوعى في مصر من أجل مصالح عصابات صندوق النقد والبنك الدوليين فإنَّ عمال غزل المحلة هم طليعة العالم المستضعف- ولا مبالغة في ذلك- لمواجهة الاحتكارية الغربية والتغوُّل الرأسمالي على حساب فقراء العالم الثالث، وهم فرسان التصدي للظلم الذي أخرجته اتفاقية توافق واشنطن من إلغاء الدعم على الحبوب ومصادر الطاقة وبيع الشركات وتوسيع قانون الضرائب.
إنَّ عمال غزل المحلة الأبطال هم ألسنتنا التي "شُلَّت" وأيادينا التي قُطَّعت وأحلامنا التي وُئدت.
والله.. لا خير فينا إن لم نضمِّد جراحهم ونعين أسرهم ونكفي عائلاتهم شرَّ السؤال، ومما زاد من الأسف ما وصفته أبواق الضلال والإضلال في وسائل الإعلام القومية التي يدفع عمال غزل المحلة والآف العمال في مصر مرتبات أصحابها أن تصفهم بالمخربين.. فهل أصبحت المطالبة بالحقوق تخريبًا؟! هل أصبحت الشكوى من ضيق الحال إفسادًا؟!.
إنَّ المخرِّبين الحقيقيين هم من احتكروا الحديد.. إن المخربين الحقيقيين هم مَن باعوا الغاز الطبيعي للمغتصبين.. هم مَن فرَّطوا في كرامتنا وكبريائنا مع القتلة الأمريكيين في قناة السويس.. هم مَن جعلوا مصر بجلالة قدرها بتاريخها وحضارتها مجرَّد خفير نظامي للكيان الغاصب أن أدى دوره؛ تُصرَف له المعونة.. مصر قطز وصلاح الدين أصبحت "بودي جارد" للمحتل الصهيوني!!.
كما أنَّ الاستخدامَ المطاطي لكلمة "القانون" سيُفقد الكلمة معناها واحترامها وهيبتها؛ فليس من المعقول أن نبخس الناس حقوقهم ثم نتحدث عن القانون، أن نزوِّد الضغوط عليهم حتى ينفجروا أو يخطئوا- هذا إن أخطأ بعضهم- ثم نتحدث بعد ذلك عن سيادة القانون؛ فالقانون الذي يخنق الناس لا قيمةَ له، والقانون الذي يعد الأنفاس لا سيادةَ له.
القانون يستمد احترامه من مراعاة حاجات الشعب.. مصالح الشعب، لا أن يقوم بتطويقه وحصاره وذبحه!!.
لا بد أن تتكاتف كل القوى والحركات السياسية لمساندة مطالب العمال والشعب وحقوق المواطنين.
سيتهمونكم بأنَّ لكم أجندةً سياسية، أغراض خاصة، فقولوا لهم: نعم.. إن أهدافنا هي حماية البلاد من الانزلاق إلى الهاوية، حماية البلاد من المضي قُدُمًا وبخطوات حثيثة شطر المجهول، إنَّ هدفنا الدفاع عن مستقبل أطفالنا، عن زهراتِ حياتنا، عن أحلامنا.
أيها السادة.. إن الدفاع عن حقوق الشعب هي سياستنا.
قولوا لهم: نعم.. فالأحزاب السياسية والحركات الاجتماعية ونخب البلاد ركبان سفينة واحدة؛ أن أغرقها حزب هلك الجميع (الجملة مقتبسة من كتاب مصرع فرنسا للأديب أندريه موروا).. قولوا لهم: إن واجبنا هو التصدي لعصابات صندوق النقد والبنك الدوليين اللذين لا يهتمان إلا بمصالح مَن يملكون زمامهما... مَن يحكمون سياستهما.
علينا أن نحمي بلادنا من مصاصي دماء الشعوب؛ فالدولة التي لا تعمل على صيانةِ نفسها ترتكب بتهاونها جريمة الانتحار.
----------
