يوجد بمصر أكثر من 70.000 من أعضاء هيئة التدريس ومعاونيهم بالجامعات المصرية، ويمثِّلون قرابة 75% من القوة البحثية للبلاد، ويتعاملون مع قرابة 2 مليون طالب، والمفترض أن تكون القنوات مفتوحةً للتعامل مع كافة شرائح المجتمع وفئاته، من خلال قضايا الإصلاح والريادة الفكرية والثقافية وخدمة المجتمع.
هذه القوة الضاربة المميزة من العناصر البشرية المدرَّبة ذات الإعداد الخاص تمثِّل في الدول الصناعية والمتقدِّمة مقوماتٍ إستراتيجيةً للنهضة.. هذه القوة تقود وتُشرف على خطط الدولة للتنمية، وتقود البحث العلمي والتطوير في مراكز الإنتاج والخدمات والمرافق؛ بين أيديها قاطرة التنمية من تعليم وبحث علمي، تحقِّق طموحات الأمة في الإنتاج المدني والحربي، أعضاء هيئة التدريس في الجامعات هم طليعة مثقَّفي الأمة، قادة الرأي والتوجيه، روَّاد الإصلاح والتغيير وإرشاد المجتمع.
من هنا تحرص هذه الدول على الاستفادة القصوى من هذه القوة الوطنية وتوفير الرعاية الكاملة والمناخ المناسب لها بما يعظِّم عطاءهم للأمة، والذي يتلخَّص في المسئولية الثلاثية: التعليم والتدريب، البحث العلمي، ريادة المجتمع وحل مشكلاته.
بهذه الواجبات وهذه الصلاحيات المصحوبة بالصفات والخصائص المميزة فإن هذه الفئة تصبح وظيفتُها حيويةً في الأمة؛ بما تبديه من آراء ووجهات نظر لها قوة في المجتمع تلزمه بما تسعى إليه الدولة والحكومة.
هذا هو الوضع الطبيعي لأعضاء هيئة التدريس بالجامعات في الدول التي تقدِّر دورهم، وتضع جهودهم في المكان المناسب ولا تعوق صلاحياتهم، وبالتالي فئة بهذه الوضعية وهذه الصلاحيات وهذه الواجبات لا تحتاج إلى الإضراب عن العمل للحصول على حقوقهم؛ لأنهم أكبر من هذا بكثير؛ الإضراب قد يكون وسيلة فئات أخرى كالعمال مثلاً.
إذن ماذا حدث حتى يلجأ أعضاء هيئة التدريس إلى الإضراب للحصول على بعض حقوقهم أو تحسين أوضاعهم؟ ما حدث هو الآتي:
1- قامت الدولة والحكومة على مدى العقود الماضية بتهميش دور أعضاء هيئة التدريس بالجامعات المصرية، وتجميد فعاليات هذه القوة الضاربة؛ بحيث أصبحت معطَّلةً عن أغلب مهامها.
2- انحصر دورهم في التدريس والتدريب (وهي المهمَّة المتبقية) في ظل "أمننة" الجامعات مع تراجع دورهم بالنسبة للطلاب.
3- تنازلوا بالتدريج عن دورهم كطليعة مثقَّفي هذه الأمة، وانحصر عطاؤهم في المشكلات والقضايا الوطنية.
4- سُلبت منهم الصلاحيات والواجبات تجاه المجتمع والأمة، ولم يحاولوا التشبُّث بها أو استردادها (البحث والتطوير، ريادة المجتمع وخدمته وحل قضاياه، التفاعل مع قضايا الأمة... إلخ).
4- وبالتالي سُلبت حقوقهم وأصبحوا جسمًا ضعيفًا بعد سَلْب الحيوية منه، وأصبحوا فئةً عاديةً مثل فئة العمال أو غير ذلك؛ ليس أمامهم إلا الوسائل التقليدية مثل الإضراب؛ للتعبير عن غضبهم أو احتجاجهم أو عدم رضائهم عن الكادر المالي مثلاً.
ما هو الحل؟ وما هو دورهم في قضايا الإصلاح وإنقاذ البلاد؟
1- أن ينهض أعضاء هيئة التدريس لاسترجاع ما سُلِب منهم من صلاحيات وواجبات تجاه المجتمع والأمة، وعلى رأسها ريادة وقيادة المجتمع في الإصلاح والتغيير ومعالجة القضايا وحل المشكلات.
2- أن يأخذوا دورهم كطليعة مثقَّفي هذه الأمة في توجيه الرأي العام وإرشاده على الطريق الصحيح في مختلف القضايا؛ وذلك من خلال أجهزة الثقافة والإعلام، متمسكين بهوية الأمة وثقافتها ولغتها.
3- أن يكون لهم الدور الأساسي والفاعل في وضع خطط الدولة للتنمية، والإشراف على تنفيذها مع المتابعة والتقويم.
4- أن يكون لهم الدور الأساسي والفاعل في البحث والتطوير لمراكز الإنتاج والخدمات والمرافق؛ فنحن في مصر ليس لدينا القاعدة الصناعية؛ لأن هذه القاعدة أساسها التصميم الهندسي والتصميم الهندسي غير موجود (غائب).
5- التفاعل مع الطلاب من خلال الأنشطة المتنوعة الحرة دون حواجز ودون تدخلات أمنية لبناء تكامل الشخصية.
6- التخلص من "أمننة" الجامعات، بما يحرِّرها من السيطرة الأمنية، والتي تفسد شئون الحرم الجامعي، والمضيِّ في طريق الاستقلال الفعلي للجامعات.. ماليًّا، بحثيًّا، إداريًّا، وتعليميًّا؛ مما يعني تحقيق المهام الثلاث للجامعة: التعليم والتدريب، البحث العلمي وتوطين التقنيات، خدمة المجتمع وحل مشكلاته وقيادته في الإصلاح والتغيير كالآتي:
المهمة الأولى: التعليم والتدريب والعمل على النشأة السليمة لطلاب الجامعات
- الحرص على استمرارية إصلاح وتطوير التعليم والتدريب بما ينتج خرِّيجًا بالمواصفات المطلوبة (قدرات التعليم الذاتي، التفكير العلمي الناقد، العمل في فريق، التفكير الابتكاري والإبداعي.. إلخ) لتحقيق النهضة الشاملة.
- الحرص على النشأة السليمة للطلاب، مراعين فيها النموَّ الروحيَّ والعقليَّ والبدنيَّ وتكامل الشخصية بما ينتج المواطن الصالح الإيجابي.
- تبنِّي خطة قومية لتعريب العلوم وتعريب التعليم الجامعي؛ بما يقوِّي الانتماء ويعزِّز الثقافة ويعمِّق الهوية.
- أن يكون من مهامِّ أعضاء هيئة التدريس ربط التعليم بخطط الدولة للتنمية.
المهمة الثانية: البحث العلمي وتوطيد التقنيات
- وضع وتبنِّي الخطط القومية للبحث العلمي والإسهام فيها والإشراف على تنفيذها، بما يحقق أهدافها لصالح قضايا المجتمع والأمة، ويحقِّق طموحاتها في الداخل والخارج.
- تبنِّي مشروع الابتكار والاختراع بما يؤدي إلى إيجاد ونقل وتوطين التقنيات.
- نشر ثقافة البحث العلمي لتصبح ثقافةَ مجتمع.
المهمة الثالثة: خدمة المجتمع وحل مشكلاته وقيادته في الإصلاح والتغيير:
- وضع سياسات ومن ثم إستراتيجيات وخطط لإصلاح وتطوير التعليم بكل مراحله.
- إصلاح الأوضاع الاجتماعية بما يحافظ على الأسرة ومقوماتها والتصدي لمحاولات هدم الأسرة، والذي تغذيه قرارات مؤتمر الأسرة والسكان.
- التصدي لأي خروج عن هوية الأمة وثقافتها وقوة لغتها.
- حل مشكلات الخدمات والمرافق، والحدّ من معاناة فئات الشعب.
- التصدي للظلم والفساد والاستبداد وما يتبع ذلك من إصلاح سياسي وإصلاح اقتصادي.
- التصدي لمشكلة الصحراء في مصر، والتي تمثِّل 95% من مساحتها؛ بغية تعميرها والاستفادة منها عمرانيًّا وزراعيًّا وصناعيًّا، بناءً على إستراتيجيات يضعها ويقوم عليها أهل الاختصاص من أعضاء هيئة التدريس وغيرهم.
- إرشاد المجتمع ونشر دعوة الخير فيه.
- الريادة الفكرية والثقافية للمجتمع، وقيادة حركة التغيير والإصلاح فيه.
وهذه هي البداية لقيام أعضاء هيئة التدريس بدورهم الحيوي في إنقاذ البلاد من هوَّة التخلُّف والتردِّي والتبعية.. هذه المهام والصلاحيات والواجبات لا تُعطَى ولا تُمنَح، ولكن تُؤخَذ ويُتشبَّث بها وفاءً لدَيْن المجتمع والأمة المعلَّق في رقابنا.