د. جمال نصار

الحرية فضيلة من الفضائل الاجتماعية والإنسانية التي تعني انعتاق الفرد من القيود التي تحدِّد حركته وتعيق تفكيره وتمنعه من الوصول إلى الأهداف والغايات التي يصبو إليها، وفضيلة الحرية لا توجد في حقل إنساني واحد بل توجد في العديد من الحقول والاختصاصات الإنسانية والاجتماعية، كالاقتصاد وعلم الاجتماع، والدين والفلسفة، والسياسة وعلم النفس والمنطق.
فالحرية تمكِّن الفرد والجماعة من العمل والفاعلية وتحقيق الطموحات والأهداف، وعندما تُخنق الحرية وتُكبت في المجتمع لسببٍ أو لآخر فإن المجتمع يكون في حالة جمود؛ إذ لا يقوى على العمل والتفكير والتعبير عمَّا يجول في خاطره وإدراكه وشعوره وإحساسه؛ لذا تقل عنده دوافع العمل المبدِع والخلاَّق وتضمر أنشطته ويكون في أوضاعٍ صعبةٍ وقاهرةٍ تمنعه من الوصول إلى غاياته وأهدافه القريبة والبعيدة.
والإسلام بوصفه دينًا سماويًّا رائدًا يدعو إلى الحرية؛ لأن الحرية بوصفها قيمة اجتماعية عليا هي أساس التسامح والتآخي والتضامن والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ومما يؤكِّد دعوة الإسلام إلى الحرية قوله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: من الآية 34)، وقوله في سورة الغاشية ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22)﴾.
أما الحرية السياسية فهي جزء لا يتجزَّأ من الحرية الاجتماعية طالما أنها منظومة الممارسات والتفاعلات غير المحظورة ولا المقيدة أو الممنوعة في المؤسسات السياسية، بينما الحرية الاجتماعية هي جملة الممارسات والتفاعلات الاجتماعية غير المقيدة والمفتوحة في المؤسسات الدينية والعسكرية والاقتصادية والأسرية والتربوية والسياسية؛ لذا فالحرية السياسية هي جزء من الحرية الاجتماعية كما ترى النظرية البنيوية الوظيفية في علم الاجتماع وعلم السياسة.
والجدير بالذكر أن الحرية السياسية لا تظهر في المجتمع إلا إذا توفَّرت فيه بعض الشروط والمعطيات الإيجابية التي في مقدِّمتها توفُّر الأمن والسلام والاستقرار في ربوع المجتمع، ووجود درجة من الوعي الاجتماعي والثقافي والنضج الحضاري التاريخي الذي يتمتَّع به المجتمع، وتوافر حكم القانون الذي يقرُّه الدستور، وأخيرًا تمتُّع المجتمع بقدرٍ كافٍ من المقومات الاقتصادية التي تحقِّق لأبناء المجتمع درجةً من الرفاهية الاقتصادية والضمان الاجتماعي، أما إذا لم تتوفَّر هذه الشروط والمعطيات التي ترتكز عليها الحرية السياسية فلا يكون لها وجود في المجتمع(1).
ولكن الحرية السياسية التي يتمتع بها الأفراد في مجتمعنا تواجه العديد من المعوقات والمشكلات والتحديات التي يمكن إدراجها في النقاط الآتية:
1- الحرية السياسية عندما تتوفَّر في المجتمع قد تخدم مصالح بعض الناس، ولكنها في الوقت ذاته تقف ضد مصالح وطموحات الآخرين.
2- النظم الشمولية والدكتاتورية والاستبدادية تخنق الحريات السياسية وتعرقل مسيرتها؛ لأنها تتناقض مع أجواء الاستبداد والظلم والطغيان.
3- الأمية والجهل والفقر والمرض والتخلف والجريمة تكون بمثابة حجر عثرة تقف أمام الحرية السياسية.
4- القوانين والتشريعات الرجعية القديمة قد تكون مِعوَل هدمٍ لعناصر الحرية السياسية.
5- الجمود والتحجر والانغلاق الطبقي وغياب المرونة الطبقية غالبًا ما تقف ضد الحرية السياسية.
6- ضعف وغياب قيمة الإيمان والقيم الرسالية السماوية تؤدي جميعها إلى غياب الحرية السياسية وتهميشها جملةً وتفصيلاً.
7- غياب قيم الديمقراطية وممارساتها في المجتمع.
ولذلك فإن هناك عدة أمور تدعم الحرية السياسية يمكن تحديدها في النقاط الآتية:
1- ضرورة الوقوف ضد النظم الشمولية والدكتاتورية الاستبدادية.
2- الحرية السياسية ينبغي أن تخدم مصالح الجميع ولا تخدم مصالح زمرة أو جماعة من الناس.
3- محاربة الأمية والجهل والفقر والمرض والتخلف والجريمة.
4- ضرورة تحويل القوانين والتشريعات من قوانين رجعية ومتخلفة إلى قوانين عادلة وديمقراطية.
5- العمل من أجل تحويل الأنظمة الطبقية من أنظمة مغلقة ومتحجِّرة إلى أنظمة مرنة وديمقراطية.
6- تشجيع ودعم الممارسات الديمقراطية في جميع أجهزة ومنظَّمات الدولة(2).
هذا بصفة عامة، أما بصفة خاصة في مجتمعنا المصري نجد خير مثال وأحدث المواقف على أن الحريات شبه منعدمة في ظل الاستبداد الحكومي القائم هو الانتخابات المحلية؛ حيث عاشت مصر- ولا زالت تعيش- أيامًا من أجواء الصراع السياسي المحتدم بين الحزب الوطني الحاكم وبين أكبر قوى المعارضة السياسية لهذا النظام، وهي جماعة الإخوان المسلمين.
فمنذ أن أعلن السيد الرئيس عنها في يوم ١٨ من شهر (فبراير) الماضي بدأت سلطات الأمن المصرية أوسع حملة اعتقالات شهدتها مصر حتى الآن.
ففي فجر اليوم نفسه الذي أعلن الرئيس فيه قرار الدعوة إلى انتخابات المحليَّات بدأت حملةٌ باعتقال أربعين من نشطاء الجماعة في المحافظات والأقاليم، وتوالت الاعتقالات يوميًّا حتى بلغ مجموع أعضاء الجماعة الذين اعتقلوا حوالي (900)، وكلهم من العناصر النشطة في مجال الخدمات الاجتماعية والإنسانية في قرى مصر وأريافها، من الذين يُحتمل أن يترشَّحوا ويفوزوا بمقاعد في تشكيلات مجالس الحكم المحلي.
وفي هذا السياق اعتُقلتُ أربع مرات على مدار السنوات الخمس الماضية، وكان آخرها يوم 11/3/2008، وقد وجّهوا إليّ بعض التهم المعتادة، وهي الانتماء إلى جماعة محظورة ومخالفة للدستور.
وقبل ذلك أود أن أصف لكم ليلة اعتقالي، وكما تعوَّدنا طَرْقَ الباب في الثانية والنصف صباحًا، ولكن فوجئت بأنه ليس طرقًا عاديًّا، فقاموا بكسر الباب الحديدي للشقة وهجموا كالتتار على كل مكان في بيتي، وقد كنت وقتها متعبًا، فدخلت دورة المياه وفوجئت بالضابط يدخل عليَّ ويسألني: "هل هذا الشباك يطل على الشرفة؟" فقلت: لا.. إنه يطل على المطبخ، فذهبوا إلى المطبخ وفتَّشوا كلَّ ما فيه، ثم دخلوا حجرة النوم وفتشوا كل شبر فيها، وفتشوا أغراض زوجتي الشخصية بلا حياء، ثم توالى تفتيش كل غرف البيت، وأخذوا العديد من الكتب وأرشيفي الصحفي وبعض أبحاثي وصور شهاداتي وأوراقي الخاصة، وقد رجوتهم تركَ جهاز الكمبيوتر؛ لأن زوجتي تُعدُّ عليه بعض الدراسات الخاصة بها فرفضوا بالطبع، ثم أخذوني وغادرت بيتي في الخامسة صباحًا ولا أدري متي أعود ولا أدري ماذا يعني المستقبل بالنسبة لي.
وتذكرت وقتها أني قد سافرت إلى العديد من البلدان، وقد وجدت بها الأمن والأمان والسعادة والاطمئنان، وعلى النقيض؛ فقد وجدت في وطني القلق وعدم الاستقرار وعدم الأمان، ولا أجد أية نظرة تفاؤلية للمستقبل الذي أتمنَّاه لأولادي؛ فقد اقتلع النظام الحاكم كل بذرة نظيفة للحق والعدل والحرية، وقد أطفئ أي شعاع صغير للتقدم، ورفع شعار: "من يريد أن يحيا في هذا الوطن لا بد أن يكون أبكمَ، لا بد أن يكون مغمض العينين، ولا بد أن يكون مكبَّلَ اليدين؛ حيث لا يسمع لا يرى لا يتكلم لا يتحرَّك"!!
وكلما شاهدت المشاهد السخيفة من المسرحية الهزلية المتمثِّلة في جلسات المحاكمات العسكرية المتتالية أستشعر معنًى ربما يكون غريبًا على مسامع البعض، وهو أننا نعيش في سجنٍ كبيرٍ؛ فلا فرق بين المعتقل الذي دخلته عدة مرات بلا تهمة ولا ذنب وخارج هذا المعتقل؛ لأن خارجه سجنًا كبيرًا، وعرفت وقتها أني أنتقل من سجن صغير إلى سجن كبير.
رسائل قصيرة:
- إلى كل المعتقلين والمسجونين من الإخوان المسلمين وغيرهم: ثبَّتكم الله وأيَّدكم وجعل هذه الأيام في ميزان حسناتكم.
- إبراهيم عيسى (أبو يحيى): "شد حيلك يا بطل".. السجن للرجالة في مصر، والحرية للمحتكرين وناهبي البنوك وقاتلي البشر.
- عبد الحليم قنديل في بعض كتاباته أرى أنه يسير على مبدأ: "مَن معي فهو صديقي، ومَن خالفني فهو عدوي"!!
----------------------
(1) نقلاً عن د. إحسان محمد الحسن.. "الحرية السياسية في الإسلام".
(2) المصدر السابق.