شعرت بالأسى لما تابعته في بعض الصحف العربية الكبيرة التي وجَّهت طاقة النقد إلى سوريا وإلى القمة العربية فيها، وكنت أتمنَّى أن يُسخَّر الإعلام العربي للدفاع عن القضايا العربية، وليس لنقد أية دولة عربية شقيقة بنيَّة مبيَّتة، وهي إظهار أن عدم المشاركة في قمَّتها على مستوى القمة يجب أن يقترن مباشرةً بعدم أهمية القمة فيها.
وإذا كانت كل دولة عربية من حقِّها أن تحدِّد مستوى التمثيل في القمة، أو أن تقاطعها أصلاً فإنه ليس من حقِّها أن تكرِّس طاقتها السياسية والإعلامية لتمزيق الروابط العربية، ويجب أن تضع الدول دائمًا نصب عينَيها أن الجسد العربي لم يعد بحاجةٍ إلى المزيد من التمزُّق، وأن الطاقة الباقية يجب أن توجَّهَ إلى إعادة اللُّحمة العربية على الأقل؛ حتى يتمكَّن الجسد العربي من البقاء.
وكلما ازداد حجم وسكان الدولة العربية وارتفع صوت إعلامها فإن ذلك يجب أن يُترجَم إلى فعالية في الدفاع عن القضايا العربية، وليس إلى الاستدارة على أعضاء الجسد العربي في حالة سرطانية تسرع بالفتك بهذا الجسد؛ ولذلك من حقِّ أي نظام عربي، سواءٌ عمل لنفسه أو بنفسه أو نيابةً عن غيره بالوساطة أن يدخل في مهاترات ضد أية دولة عربية، ولا بد أن يتحلَّى بقواعد السلوك القويم، وأن يتعلَّم من أوروبا حضارة السلوك وحضارة القول والفعل؛ مما جعل لأوروبا شأنًا فريدًا، ومن العبَث أن نقارنه بالوسط العربي الذي يصعب وصفه في هذا المقام.
فقد حمَّلت أقلامٌ عربيةٌ سوريا مسئوليةَ استمرار الأزمة في لبنان؛ ولذلك صوَّروا الأمر أن تخفيض مستوى تمثيل دولهم عقوبةٌ كافيةٌ لعدم تجاوب سوريا مع المبادرة العربية الخاصة بلبنان.
وكنت أتمنَّى أن تكون كل أوراق الحل في يد دولة عربية، كما أني أعتقد أن بعض أوراق الحل حتى الآن لا تزال في أيدٍ لبنانية، وأن هذا السلوك سوف يؤدي إلى انتقال هذه الأوراق إلى اللاعبين الدوليين، كذلك انتقدت بعضُ الأقلامِ العربيةِ القمةَ وقلَّلت كثيرًا من شأنها؛ لمجرد أنَّ بعض الزعماء لم يحضروها وهم يعلمون أن الحضور أو عدم الحضور في قمم سابقة لم يؤثِّر في الملفات المطروحة، وأن الأهم من الحضور هو أن تستردّ هذه الدول الإرادة والقدرة على الحلّ، وليس في النَّيْل من سوريا، وهم يعلمون قطعًا أن القمة قد أصبحت بسرعة على أجندة الصراع السوري الأمريكي، وعلى هذا الخط فليتسابق المتسابقون؛ وليس معنى ذلك أنَّ تخلُّف البعض عن الحضور هو بالضرورة استجابة للضغوط الأمريكية، ولكنه بالضرورة تخلُّفٌ عن واجب شكلي إذا كانت وجهته الحقيقية هي القضايا العربية وليس استخدام أوراق يظنُّها فعَّالةً للانتقام من دولة عربية أخرى؛ فنحن كما قالت الخنساء في مقتل أخيها صخر: "القاتل والقتيل".
وعلى أية حال فإن الجهود العربية جميعًا يجب أن تتوجَّه إلى استرداد الإرادة العربية وظهور الرقم العربي في الملفات العربية قبل أن تتمكَّن الدول الخارجية من أن تستخدم الأراضيَ العربية ساحةً لصراعاتها، وتوظِّف القوى العربية في فيالق حروبها وفق أجندتها.
فالعالم العربي لا يزال أمامه فرصة واحدة: إما أن يستردَّ وعيه وإما أن يفقده إلى أمدٍ غير منظور، ولتعلم جميع الدول العربية أن التفاضل بينها يكون بقدر حرصها وقدرتها على خدمة المصلحة العربية العليا، وليس بقدرتها على الإضرار بغيرها من الدول العربية.