لا يعرف ثمن الأرض إلا من ضحَّى من أجلها وأمضى اللياليَ الطوال ببردها وحرها أسيرَ زنزانة وتحت أمر سجان، وفي قلب سجن يضم بين جنابته نفوسًا أبية وعزائمَ فتية.
هم أولئك الذين ثاروا لأرضٍ محتلة ولوطنٍ سليب، فمرت عليهم سنوات العمر طويلةً ثقيلةً، فما استكانوا وما خَفَتَ حبهم للأرض السليبة، تركوا خلفهم كل شيء: الوالد، الأم، الزوجة، الولد، الأخ، والأخت، المال، كل شيء تركوه وأبقوا في قلوبهم حب الأرض ومرابعها الفتية.
صورة زهر اللوز في هذه الأيام شاخصة أمام ناظريهم.. يجلس أبو الناجي المعتقل منذ أكثر من 25 عامًا متَّكئًا على برشه الذي ألِفه ليقول لفخري البرغوثي المعتقل منذ 30 عامًا: أتذكر زهر اللوز يا أبو شادي، فيرد عليه أبو شادي بتنهيدته المعروفة: قصدك (الجلنار)، فيضحك الجميع ويقول أبو الناجي: (هو ده وقت لغة عربية فصحى؟!).
الأسرى في يوم الأرض تحمَّلوا ظلم الظالمين، وهانت عليهم أنفسهم مقابل أن لا تهان أرضهم أو تستهان.. إنها فلسطين عشقهم الأزلي وحبهم السرمدي، قصص الطفولة وحكايات الجدة ووجع الوالد، كبروا في السجون ومعهم حبهم للأرض كبر وزاد، أيقنوا أن المحب لمَن يحب مطيع، وأيقنوا أن الطاعةَ بذل وعطاء، وتضحية وفداء.. لا أقوال وشعارات ولا احتفالات، ولا تخليد لذكريات.
من أكثر منهم حبًّا للأرض؟! يقبّلون أرض زنزانتهم لأنها جزء من وطنهم، يعشقون سجن عسقلان ونفحة والرملة؛ لأنها جزء من أرضهم وحقهم التاريخي، يمزجون الأحلام بالرؤى.
أسرى ومعتقلون لكنهم يتركون جروحهم كي تلتئم من نسائم صبح الوطن، ولا تبقى مهملةً كي تتقيَّح من صمتِ المنفى، حريتهم تهون أمام عزتها، بُعدُهم عن أهلهم يرخص أمام كبريائها، لا شيء يهم أمام وحدة ترابها.
لن تموتوا ولن يضيع الوطن.. لا والله؛ فزرعكم الذي بذرتم سيثمر ولو بعد حين، وأرضكم التي من أجلها ضحيتم لن تغدركم أو تلفظكم، بل ستحتضنكم.. إنكم أولادها، من رَحِمها خرجتم، وفي أزقتها حاربتم وما استسلمتم، وبترابها الطهور داويتم جراحاتكم.
هي الأرض أيها الأسرى، هي فلسطين أيها الأحرار؛ تضم في أحشائها السادة الشهداء، كانوا في يومٍ من الأيام رفاق قيد حُرِّروا من سجونكم وعادوا والتحموا بالأرض، ما رفعوا يومًا من الأيام مقولة (استراحة المقاتل).
أيها الأحرار.. أنتم الأحرار ونحن الأسرى، أنتم الطلقاء ونحن مَن في قيودكم مكبلون، أنتم من تنتظركم الأرض بفارغ الصبر؛ لأنكم ما نكثتم العهد وما مزَّقتم حروف القضية؛ لأنكم مصمِّمون بعد على مواصلة ذات الطريق؛ لأنكم لم تتركوا مفاتيح بيوتكم في يافا وحيفا وصفد والرملة؛ لأنكم أيها السادة الأحرار ما لبستم ثياب الذل ولا طأطأتم الرأس، ورسمتم خارطة الوطن فظهرت علامات العزة والكرامة.
كم تتألم الأرض أيها الأحرار وتسعد، كم تحزن وتفخر حينما تستذكركم يا سعيد العتبة، ويا نائل وفخري البرغوثي، يا عباس السيد، ويا زاهر جبارين، وعبد الناصر عيسى، ومعاذ بلال وسعدات تذكركم يا أحبتها فعلاً.. تحن إليكم، تنتظر يوم اللقاء بلوعة واشتياق.. فمتى يكون؟!
أيها الأسرى.. في يوم الأرض وفي ذكراها تقول لكم الأرض: إننا ما نسينا صنيعكم، ولا غابت عنا معاناتكم، وندرك أنه بدونكم أيها الأحرار لا فلسطين؛ فأنتم بها وهي بكم، ترفع الرأس وتعلي الجبين.
------------
* باحث ومتخصص في شئون الأسرى الفلسطينيين