عندما بَدأتُ فتح ملفات الفساد، والتطرق لرموزه قبل أعوام وأعوام، ويوم بَدأتُ نشر الأرقام والحقائق عن حجمه ومستوياته، استهجن البعض القليل ما أسموه "نشر الغسيل" الفلسطيني، وكذَّب وشكَّك آخرون بما وثَّقت، وقاد بعض البعض حملات مركَّزة من التهديد والوعيد والتشويه؛ وصولاً إلى القضاء والمحاكم، واليوم يتوالى فتح ملفات ورموز الفساد تباعًا؛ فلا يكاد يمضي يوم دون وثيقة أو ملف جديد يؤكِّد المؤكَّد ويوثِّق الموثَّق.

 

قصص بلا نهاية بدأت منذ زمن، وتمثِّل قمة جبل الجليد، أصبحت مرتبطةً بأسماء أصحابها: أبو علي طحين، فتوح فون، أبو علاء باطون، سائد تلفزيون، مهنا معبر، دحلان غيت، وغيرها من التسميات التي يطلقها الشعب تندُّرًا وتهكُّمًا، وغير هؤلاء ممن عرفنا ومن لم نعرف.

 

بطبيعة الحال فإن فروقًا كثيرةً بين ما نُشر قبل سنوات وما ينشر الآن، ليس من حيث المضمون والمحتوى، لكن من حيث العرض وردَّات الفعل، واضطرار بعض الشخصيات لتوضيح رواياتهم عبر بيانات وتصريحات، رغم أن الملفات المذكورة لم تُنشَر على فضائيات أو صحف رئيسية، وكان النشر عبر مواقع غير رئيسية في معظمها على شبكة الإنترنت، لتطرح تلك الردود تساؤلاتٍ جديدةً لا تقلُّ أهميةً عن محتوى التهم الأصلية.

 

دون الدخول في تفصيلات الملفات القديمة الحديثة والتي تابعها الجميع، نتوقف عند بعض الملاحظات المهمة:

- لأول مرة تكون هناك ردود رسمية على تقارير إخبارية عبر الإنترنت، وهو أمرٌ إيجابيٌّ يُظهر قوة الإعلام وانتشاره حتى في ظل الرقابة والحصار والتكميم.

 

- من كثرة الفضائح وتكرارها أصبح التعامل معها عبر النكات والفكاهة وتبادل الرسائل المكتوبة؛ فلا شيء مستبعَد في منظمة التحرير الفلسطينية أو السلطة، وهو ما قد يؤدي إلى أن تصبح قضايا الفساد روتينًا يوميًّا للمواطن الغلبان!.

 

- رغم إعلان مدَّعي عام المقاطعة عن فتح ملفات فساد تصل إلى 700 مليون دولار قبل عامين، وأنها ستصل إلى أكثر من مليار عند اكتمال التحقيق، إلا أنه لم يتم التحقيق في أيٍّ منها.

 

- توقيت الكشف عن هذه الفضائح مرتبط بشكل أو بآخر بالصراع بين التيارات المختلفة في رام الله، وهو ما يفسِّر عدم تغطية الاحتلال على فضيحة فتوح فون، رغم أنه، والحق يقال، من "عظام الرقبة".

 

- كشفت الردود عن جوانب خطيرة تتعلَّق بطريقة التصرف بالأموال، وحسب ردّ قريع على الرسالة التي نُشرت حول تلقِّيه حِوالة بثلاثة ملايين دولار فإن الحساب المذكور "هو حساب لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) لدى البنك العربي- عمان، وهو حساب مفتوح بأسماء أشخاص معروفين لدى الحركة، وبقرارٍ من قيادتها منذ أواسط الثمانينيات، علمًا أن حسابات حركة "فتح" منذ البدء تُسجَّل بأسماء أشخاص من قيادتها وتخضع لكافة أشكال الرقابة والتدقيق الحركي"! فلو سلَّمنا جدلاً بصحَّة ما ذهب إليه من رقابة وتدقيق، فما هي الضمانة أن لا يقوم الورثة في حالة موت الأعضاء "الثقة" بوضع اليد على تلك الحسابات وبالقانون؛ حيث إنها حسابات شخصية؟!

 

- هذه الجزئية تحديدًا تعود بنا إلى قصة أموال ياسر عرفات ومصيرها.. قريع أكَّد أن الأموال كانت توضع بأسماء أشخاص وحدَّد عرفات بالاسم، أين هي؟! ومن ورثها؟!

 

- من الملاحظات المهمَّة أيضًا ردَّ السفير الفلسطيني السابق في رومانيا على ذات الرسالة، ونفى أن يكون من رجالات دحلان، لكنَّ ردَّه لا يبرِّر توجيه الرسالة لشخصٍ لا صفةَ رسمية له في ذلك الوقت إلا كونه عضوَ مجلس تشريعي جديد لم يستلم مهامَّه بعد، خاصةً أن عدلي صادق ليس سفيرًا فقط، بل هو كاتب وباحث ومحلل مخضرم ويعرف خبايا الأمور في فتح؛ فلا يمكن أن يكاتب دحلان إلا لمعرفته بمراكز القوى والسيطرة داخل فتح، بغض النظر عن إن كان من رجالات دحلان أو غيره.

 

- الجديد أيضًا أن صادق وقريع أكَّدا الرسالة وصحَّتَها وحقيقتَها، وهو أمرٌ في غاية الأهمية؛ يثبت مصداقية المصدر والناشر، ويؤكِّد وللأمانة رغبتهما في توضيح الأمور بشكل جدّي، حتى وإن لم نقتنع بالتوضيحات، وهو ما يستحق التشجيع.

 

- محاولة بائسة من قِبَل مدَّعي عام المقاطعة للظهور بمظهر المهتم، من خلال تصريح صحفي عن فتح تحقيق، واتخاذ إجراءات قانونية بحقِّ خالد سلام أو محمد رشيد بعد نشر أنباء تُفيد أن الأخير سيُقيم مشروعًا استثماريًّا بقيمة 600 مليون دولار على شاطئ البحر الجنوبي للعقبة، وهو التحقيق الذي بدأ وانتهى في جلسة ثنائية ودية في عمَّان بعد تقديم "المتهم" وثائق ومستندات تُثبت مصدر الأموال وأصحابها، لكن المدَّعي العام للمقاطعة تناسى كل الملفات السابقة واللاحقة، واهتمَّ بقضية يعرف مسبقًا، والله أعلم، أنها لن تصل إلى شيء.

 

- رغم التقارير العالمية وقبلها تقرير لجنة عبَّاس في أحداث غزة العام الماضي، والتي تؤكِّد حصول دحلان شخصيًّا على ملايين الدولارات مقابل الإعداد للانقلاب في غزة، لم يحقِّق أحدٌ في مصير تلك الملايين، رغم توصية لجنة عبَّاس بذلك فيما يتعلَّق بـ25 مليون دولار حدَّدها التقرير.

 

- في شهر فبراير من العام 2006 نُشر تقرير عن الفساد، أقتبس منه هذه الفقرات التي توضح حجم الأموال التي نتحدث عنها، من خلال تقارير وتصريحات تبقَى بحاجة للتحقيق والتمحيص لإظهار الحقيقة كاملةً دون مواربة:

 

- في لقاء مع شبكة (CBS) الأمريكية قبل أعوام ذكر عصام أبو عيسى المدير السابق لبنك فلسطين الدولي أن حجم المبالغ التي تمتلكها القيادة الفلسطينية يصل إلى 30 مليار دولار في حسابات خارجية و2 مليار دولار في حسابات داخلية.

 

- حتى عام 1990 بلغ مجموع ما قدَّمه أبناء فلسطين من خلال اقتطاع 5% من رواتبهم، بلغ 14 مليار دولار، وقُدِّر حجم الاستثمارات في حينها بـ50 مليار دولار.

 

- عام 1997 نُشرت تقارير حول ما عُرف بفضيحة معبر كارني عندما تم الكشف عن أن 40% من الضرائب المحصَّلة من الاحتلال عن رسوم المعبر والمُقدَّرة بمليون شيكل شهريًّا كانت تُحوَّل لحساب "سلطة المعابر الوطنية الفلسطينية"، والتي اتضح فيما بعد أنها حساب شخصي لمدير جهاز الأمن الوقائي في حينه محمد دحلان!.

 

- سبق أن ذكرت راوية الشوا عضو التشريعي أن حجم إيداعات السلطة 4 مليارات دولار.
- في عام 2002 أُوقف جاويد الغصين الرئيس الأسبق للصندوق القومي الفلسطيني بتهمة اختلاس الملايين، وتمَّ تسليمه للسلطة، لكن بقدرة قادر غادر ومعه الملايين التي لم يُستَعد منها شيء، وفي إطار الردِّ على اتهامه قام بدوره بتقدير ثروة عرفات الشخصية ما بين 3 و5 مليارات دولار.

 

- بتاريخ 9/11/2003م، وفي برنامج (60 دقيقة) الأمريكي الشهير، وبالاستعانة بالخبير المالي جيم برنس، توصَّلت التحقيقات إلى أن حجم الاستثمارات السرية للقيادات الفلسطينية بالمليارات، بل وحدَّدت المصارف المُودَعة فيها.

 

- في 5/3/2003م استطاع سلام فياض الوصول إلى 600 مليون دولار من الاستثمارات التي كانت مغيَّبة عمدًا.

 

- ذكر تقرير لصندوق النقد الدولي نُشر عام 2003 أنه تمَّ تحويل 900 مليون دولار بين عامي 1995 و2000 من الميزانية الرئيسية للسلطة الفلسطينية إلى حساب مصرفي خاص باسم عرفات.

 

- في 11/12/2004م وجَّه فاروق القدومي في تقريرٍ نشرته جريدة (الخليج) اتهامًا لمحمد رشيد بسرقة مئات الملايين من الدولارات، وقال إنه تمَّ استعادة 600 مليون دولار منها.

 

- في 2003 فتحت فرنسا تحقيقًا تمهيديًّا بشأن تحويل مبالغ مالية كبيرة مجهولة المصدر إلى حساب سها عرفات زوجة عرفات في باريس، وفتحت تحقيقات حول نقل أموال مشبوهة بين مصرف سويسري ومصرفين في باريس؛ هما "بي. إن. بي" و"أراب بنك"، لمبالغ تصل إلى 11.5 مليون يورو.

 

- بعد وفاة عرفات مباشرةً زعم تقرير صحفي بريطاني في جريدة (صنداي تايمز) أن سها الطويل أرملة ياسر عرفات ستحصل، بناءً على صفقة مع أحمد قريع، على ما يعادل 13 مليون جنيه إسترليني ومعاش مدى الحياة يُقدَّر بملايين أخرى من أموال السلطة الفلسطينية، بخلاف نفقات ابنتها زهوة (تسع سنوات) حتى بلوغها سن الثامنة عشرة.

 

وذكرت الصحيفة أن الصفقة تتضمن حصول سها على سبعة ملايين جنيه إسترليني فورًا، بالإضافة إلى 800 ألف جنيه إسترليني سنويًّا لحين بلوغها سن التقاعد، ثم يُصرَف لها 300 ألف جنيه إسترليني سنويًّا، وأضافت أن الصفقة تضمَّنت وضْعَ ابنة عرفات على قائمة نفقات السلطة الفلسطينية لحين بلوغها سن الثامنة عشرة، وعندها تحصل على 45 ألف جنيه إسترليني سنويًّا لحين بلوغها سن الخامسة والعشرين.

 

- الفساد المالي والأخلاقي المتأصِّل في منظومة أوسلو لا يوازيه إلا الفساد السياسي والارتماء في أحضان المحتل، وكذلك الفساد الإعلامي المبني على التضليل والأكاذيب واجترارها حتى بعد ظهور الحقائق كاعتراف أبو خوصة بإلقاء الناس من الأبراج.

 

دون شك سنسمع ونشهد ملفاتٍ جديدةً وفضائحَ جديدةً، ليست بالضرورة لأشخاص جُدد، وكان الله في عون شعبنا الذي يتضوَّر جوعًا، و"قادته" ينهبونه ليل نهار.

---------

* DrHamami@Hotmail.com