د. حامد أنور
نجحت الجمهوريات المصرية المتعاقبة في جعل النشاط السياسي في مصر قطعةً من الجمر يكتوي بها كل مَن يُفكِّر في الاقتراب منها.

لقد تجسَّد شبح الخوف في عيون المصريين وقلوبهم وأصبح يسري في عروقهم يصل إلى كل خلايا جسدهم النحيل الذي أوجعته الأزمات وامتصت عصارته المجاعات.
لقد تسلل الخوف إلى الأشجار في الشوارع والأحجار في الطرقات ونسمات الهواء العليل الذي يبدو أنه قد غادرها إلى غير رجعةٍ مع سفينة الأحلام.
لقد نجحت تلك الحكومات المتعاقبة في مصر في تكبيل النشاط السياسي فأخرجت قرارات فاشية ألبستها ثوب القانون وفرمانات قمعية غلفتها بغلاف الدستور ومراسيم خانقة تتفق وهوى الأنظمة فأضفت عليها روح القداسة فتحول المواطنون كلهم إلى أسرى في وطنهم لم يعد يشعر أحد بأن هذا القمر الذي يبتسم ليلاً في سماء المحروسة أنه يعنيهم بل يعني أناسًا غيرهم.
لماذا لا يكون النشاط السياسي في مصر كالنشاط الرياضي متاحًا للجميع مباحًا للجميع، فالجماهير تخرج إلى الشوارع من فرط فرحتها مع كل انتصار وهمي في ساحات الملاعب يهللون يصيحون بالآلاف والملايين لا يتعرض إليهم أحد لا ينازع فرحتهم مسئول؛ بل إنَّ المُعلِّق الرياضي الطفيلي ذو المناصب المتعددة يستغلها فرصةً للمزايدة ويثني كم هذا الشعب جميل، وهو أول مَن يبيع هذا الشعب في سوق المصالح الشخصية.
لماذا لا يكون النشاط السياسي في مصر كالنشاط الفني الفاسد مفتوحًا لكل مَن هبَّ ودب؛ حيث هوت الثقافة الاجتماعية واللغوية إلى الحضيض وانتشرت الجليطة وانعدام الذوق واحترام أحاسيس الآخرين، كل ذلك من خلال معالجات تتستر بمسميات الواقعية هذا العفن الثقافي المستشري في مشاهدهم في ألفاظهم في حبكاتهم لا يتورعون عن رسم القبح النفسي في أسوأ صوره ثم يصرخون إنه الإبداع يناقشون مشكلات المجتمع بطريقةٍ فجَّة مقززة فيعلق أحدهم إنه يريد إحداث صدمة للمشاهد، وكأنه كُتِبَ على هذا الشعب أن يعيش مصدومًا ويموت محسورًا.
فلماذا النشاط السياسي دون غيره جريمة يتخفى كل مَن يمارسها تهمة معلبة تطارد كل مَن يزاوله، كأس من المهانة يتجرعه كل مَن أراد أن يحتسيه، إن صرخات الألم المكتومة في صدور الشعب تكاد أن تقتله، إن الدموع المتحجرة في مقل المواطنين تكاد تتحول إلى شظايا، فهلا أعطينا الشعوب حقَّها في الاختيار في أن ترفض في أن تصرخ، في أن تضحك وأن تبكى وأن تتنفس.
إن تكبيل النشاط السياسي في مصر هو الذي أدَّى إلى التقاتل في طوابير الخبز وانفلات أسعار الحبوب والشجار في الميكروباصات من أجل عشرة قروش والترنح أمام أبواب المستشفيات الحكومية التي تدق أبوابها ريح الخصخصة وأنياب الاقتصاد المر؟.
إنَّ تكبيلَ النشاط السياسي في مصر هو الذي جرَّأ الخنازير الأمريكية أن تقتل مواطنًا في قناة السويس وتتجاهله ثم ترسل إلينا برقية عزاء ساخرة.. فهل أصبحت دماء المصريين التي ارتوت بها قناة السويس في حفرها وأثناء حرب أكتوبر بلا ثمن؟ ولو أن مصريًّا قتل كلبًا أجرب في شوارع نيويورك لخرجت الحملات وتعالت الاتهامات بالسادية والفوضوية والوحشية والبربرية والغوغائية إنه من أصول عربية.
لقد حان الوقت للشعب أن يتخلص من تكبيل النشاط السياسي الذي أدَّى إلى ظهور نوعيات من أصحاب المصالح النفعية، سلعيون يتعاملون مع السياسة كأنها سلعة يقومون بتسويقها والتجارة بها من أجل الارتقاء في السلم الاجتماعي المتهالك يلعبون على كل الأوتار ويعزفون كل النغمات ويركبون كل الموجات يتلونون بلون المرحلة مهما بلغت فجاجتها، فإن كانت اشتراكية فنحن أربابها وإن كانت انفتاحية فمَن لها غيرنا وإن كانت خصخصة إنها الأمل القادم وبشارة المستقبل.
إننا لا نريد للنشاط السياسي أن يكون قطعة جمر حارقة أو فوهة بركان مستعرة، بل نهر يسري يفيض بالخير ينهل منه الجميع يشرب من رحيقه كل الشعب، إننا نريد أن نحرر الناس من مخالب الخوف من شبح القلق والفزع من قيود القوانين الفاشية من أغلال الدساتير المستبدة.
أيها المسئولون.. أطلقوا سراح الشعب.
----------------------