هذه صرخة ورسالة يوجِّهها ملايين الفقراء المعدمين المهمَّشين إلى الرئيس محمد حسني مبارك رئيس الجمهورية والمسئول الأول والأخير عنهم يقولون فيها:
نحن أبناؤك ورعاياك في مقابر البساتين والتونسي والإمام الشافعي وباب الوزير والغفير والمجاورين والإمام الليثي وجبانات عين شمس ومدينة نصر وأسفل الكباري، وفي المناطق العشوائية وبجوار المساجد وفي القرى والنجوع وفي الأكشاك الصفيح على أشرطة القطارات.
اسمح لنا أن ننقل لك بثًّا مباشرًا لحالنا سيتوارى خجلاً بعده المخرج خالد يوسف وفيلمه "حين ميسرة" الذي يُجسِّد فيه واحدًا على مليون من حال الفقراء والعشوائيات في مصر.
نحن نموت من الجوع يا سيادة الرئيس.. ما هذا الذي يحدث في بلادنا مصر؟!
ربما نسكت ونصبر على القهر.. على الذل.. على المعاملة السيئة.. على تشابه أيامنا بعضها مثل بعض، وعلى عدم القدرة على الحلم.. لكن كيف نصمت على الجوع؟!
لو سكتت ألسنتنا لتكلمت ونطقت وصرخت بطوننا.. الأسعار اشتعلت نارًا والخدمات معها بدون سابق إنذار أو تمهيد؛ طعامنا- والذي يطلق عليه الساسة الأغنياء طعام الفقراء- لا نستطيع شراءه.
الفول أصبح الكيلو بـ5 جنيهات، العدس بـ9 جنيهات، زجاجة الزيت العادي بـ10.5 جنيهات، كيلو الحلاوة السادة غير المعبأة- طعام المساجين- أصبحت بـ12 جنيهًا، كيلو "الجبنة البيضاء" بـ18 جنيهًا.
صبرنا على الذل في طابور العيش، وقضينا نصف عمرنا في سبيل أننا في النهاية نحصل على رغيف عيش رخيص الثمن.. دلنا يا سيادة الرئيس على أي طابور، ولو طوله بالكيلومترات، ولكن في نهايته نجد طعامًا رخيص الثمن.
يا سيادة الرئيس.. قل لنا ماذا نأكل؟!
حتى الخدمات الضرورية ارتفعت بصورةٍ مضاعفة: فاتورة الكهرباء اشتعلت، وفاتورة المياه توهَّجت، وفاتورة التليفون لن نتكلم عنها؛ فليس عندنا تليفون أصلاً!!.
واسمح لنا يا سيادة الرئيس أن نقدِّم لك ما نأكله هذه الأيام، والذي يعتبر مفاجأةً للكثير لما وصلنا له، ولا نعلم: هل هو كذلك بالنسبة لسيادتكم أم لا؟.
والله، والله.. ما سنقوله حقيقة يمكن أن تتأكد سيادتك مما سنقوله عما نأكله، والتأكد من زيارتنا في أيٍّ من الأماكن التي ذكرناها سلفًا أو غيرها.
نقدِّم لسيادتكم عدة وجبات مما نأكلها الآن بعد أن ضاقت بنا السبل في أن نشتريَ الفول والعدس والزيت.
هذا ما يأكله فقراء مصر خير شعوب الأرض الذي أوصى بهم سيدنا محمد- صلى الله عليه وسلم- خيرًا:
الوجبة الأولى:
يتم إحضار بقايا العيش البلدي ويتم إضافة قليل من الماء مع استمرار التقليب والدعك حتى يصبح مثل الطحينة تمامًا، ويوضع عليه بعض الملح والبهارات اللازمة، ويتم تغميسه بالعيش، يعني عيش.. يُغمس بعيش؟!!
الوجبة الثانية:
نذهب لأي "فسخاني" ونشتري بعضًا من ماء الفسيخ منه بـ50 قرشًا ونقوم بتغميسه بالعيش.. "أهوه بنحدق يا ريس"!!.
الوجبة الثالثة:
نذهب إلى سوق الخضار ونشتري الخضار التالف العاطب والذي يضعه البائع عادةً أسفل قدمه.. نأخذه ونحاول "تظبيطه" بغليه ونضعه بعد تقطيعه على النار، ويتم عمل خلطة خضار نأكلها في الوجبات الثلاثة.
الوجبة الرابعة:
نذهب إلى أي جزار ونأخذ منه العظم الذي يلقيه أسفل قدمه وتلعقه القطط، والذي لا يوجد به أي مواسير أو غيره؛ فنحن ليس في مقدرتنا شراء عظم المواسير الفاخر، ونقوم بغسله ونضعه على النار مع كميةٍ كبيرةٍ من الماء، "ونعمل شوربة حتى نرم عظم أولادنا ونشرب شوربة".
الوجبة الخامسة:
وهي أغلى الوجبات، وأصبحت ترفيهًا لنا، وهي شراء "الفراخ" النافقة الميتة من عند تجار "الفراخ" والذين يبيعون لنا "الفرخة" بـ4 و5 جنيهات بعد أن تعدى ثمن "الفرخة" 30 جنيهًا، ووصل ثمن الكليو من "الفراخ" البيضاء بـ13 جنيهًا.
الميتة أُحلِّت لنا في عهدك من سنين يا سيادة الرئيس!!
الوجبة السادسة:
شراء أرجل "الفراخ" وعمل خضار و"شوربة" عليها؛ حتى يجد الأطفال "مناب" يمسكونه في أيديهم حتى ولو رجل "فرخة"!!.
وأخيرًا.. تصور يا سيادة الرئيس ما "يحلِّي" به شبابنا وأطفالنا عندما "يهفهم" الحلو؛ إنهم يذهبون لبائع "الزلابية" و"لقمة القاضي" و"بلح الشام"، ومعهم رغيف العيش ويقطعونه نصفين ويطلبون منه أن يضع لهم القليل من "الشربات المسكر" الذي يتم التحلية به داخل الرغيف!!.
لا أريد أن أكمل؛ حتى لا أشق عليك يا سيادة الرئيس أكثر من ذلك، ولكن أكرر سؤالي: قل لنا ماذا نأكل؟!.
"قرص الطعمية" بـ25 قرشًا، علبة الفول أصبحت بـ1.5 جنيه، ولا تكفي شخصين، "ساندوتش الفول" بـ75 قرشًا!!.
احسبها أنت لنا يا سيادة الرئيس.. لو قلنا إن مرتباتنا 300 جنيه في الشهر، هذا لو افترضنا أن جميعنا يعمل عملاً دائمًا أو يعمل أصلاً، والأسرة محددة النسل وعندها طفلان والأب والأم.. كيف نأكل ونشرب ونسكن ونركب مواصلات ونلبس ونعالج أولادنا وندفع كهرباء ومياه بـ10 جنيهات في اليوم في ظل هذه الأسعار؟!!.
نريد أن نرى انحيازك للفقراء يا سيادة الرئيس أمرًا واقعيًّا نحياه ونتلمسه.
تنادى دائمًا بأنك تريد أن يصل الدعم لمستحقيه، فلتدعم يا سيادة الرئيس السلع التي نأكلها فقط.. هل الأغنياء يأكلون عدسًا أو فولاً أو يستخدمون زيوت الكتان مثلنا؟! لماذا لا يكون كيلو العدس بجنيه واحد فقط؟! وكذلك الفول وتكون زجاجة الزيت كذلك متوفرةً سهلةً بدلاً من المهانة والذل على البطاقات التمونية والتي لا يحملها الكثير منا والتي تُصرف لنا في النهاية كيلوات معدودة محدودة لا تكفي أيام وبأسعار رغم رخصها إلا إنها لا نتحملها؟!!.
يا سيادة الرئيس.. نحن نختنق، نحن نموت.
احذر يا سيادة الرئيس من ثورة الجياع؛ فهي ثورة لن ينفع معها أمن مركزي أو غيره؛ فهي ستقتلع اليابس والأخضر؛ فإن النفوس إذا جاعت بطونها عميت.. ثورة ستكون من أجل الانتقام مَن الذي ألهب بطونهم بالجوع.
وما أدراك ما الجوع يا سيادة الرئيس؟! فما زال الجوع كافرًا حتى الآن.
---------------
* مدير مركز ضحايا لحقوق الإنسان- http://www.dahayaa.com