كانت واقعة 11 سبتمبر سنة 2001م التي انهار فيها برجا نيويورك فرصةً ذهبيةً لأمريكا لكي تُهيمن على العالم، وتخترق سيادة الدول وتضع من القوانين ما يحد من حرياتِ المواطنين، ويتدخل في حياتهم الشخصية ويحمي القائمين على التعذيب في جوانتنامو وسجن أبو غريب في العراق والسجون الأمريكية في أفغانستان والسجون السرية في كافةِ أنحاء العالم، وكذلك السماح للدول التي تدور في فلك أمريكا كأنظمة باستجواب المتهمين في هذه الدول وأخذ الاعترافات القصرية منهم عن طريق التعذيب، وكذلك وضعت من القوانين ما يدعم أجهزة الأمن الداخلي الأمريكي بحجة محاربة الإرهاب الذي لم نعرف له تعريفًا حتى الآن على مستوى العالم، ولكن أمريكا عندما تغضب على أحد ترمي في وجهه هذه التهمة؛ فأمريكا شرعت الحماية للفاشيين والمستبدين، وأصحاب الشركات المتعددة الجنسيات، والحكومات العسكرية، والذين ينادون بالتدخل العسكري في الحكم وكذلك الإمبريالية الجديدة والمحافظون الجدد الذين أعطوا أفكارهم التدميرية غطاءً دينيًّا عقائديًّا.

 

وهكذا تضرب أمريكا حضارتها في مقتل، فانهيار الأمم يبدأ من تخلي هذه الأمم والحضارات عن القيم الإنسانية التي كانت تحملها والتي بسببها ينظر إليها العالم باحترام ويجعلوها قدوةً، مما يُسبب انتشارها في العالم، وأي حضارةٍ تفقد هذه القيم الإنسانية العامة فهذا مؤشر قوي على انهيار هذه الحضارة في وقتٍ قريب، وهكذا علمتنا آيات الله التي تقول: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران: من الآية 140)، ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ (النحل: من الآية 26)، وهذه آيات تنطبق على كلِّ مَن يتخلى عن القيم الإنسانية، وهذا قانون أيَّده ابن خلدون في مقدمته وتومبي في سفره الكبير "تاريخ الأمم".

 

فكما كانت أمريكا نموذجًا تتطلع إليه الشعوب والأمم لكي يحققوه في بلدانهم وكان يذهب إليها المهاجرون من كل أنحاءِ العالم شوقًا إلى العدل والحرية والديمقراطية، فكذلك أصبحت أمريكا نموذجًا لدول العالم في تخليها عن القيم الإنسانية التي حببت فيها الشعوب والأفراد، فكما كانت أمريكا قدوةً في الحرية أصبحت قدوةً في الاستبداد والظلم وأعطت نموذجًا للتخلي عن الديمقراطية تتبناه كثير من الدول الاستبدادية العسكرية، وتبنت معه مقولة "ها هي أمريكا نحن نأخذ منها"، ويتحدد هذا النموذج في:

1- تعديل الدساتير لتقليص الحقوق الدستورية للمواطنين وكذلك خرق القوانين والمعاهدات الدولية بحجة أن البلد تتعرض لأخطار تهدد الأمن القومي وكذلك اقتصادهم وسلامة أمتهم.

 

2- دفع أجهزة الاعلام لإثارة حالة من الخوف والهلع في مجتمعاتهم وتصدير هذا الخوف للدول التابعة وعليه استخدموا نوابًا في المجالس التشريعية لكي يقترحوا قوانين تحد من الحرية وتقنن الإجراءات الاستثنائية "قانون الطوارئ" لكلِّ مَن يقف ضد مشروعهم الداعي لتقييد الحريات وتعطيل الدستور وفرض القوانين الاستثنائية فتجد الشرفاء يتهمون بالعمالة للجهات الأجنبية أو بتهمة خيانة الوطن أو العمل لجماعات مصالح خاصة، فكل مَن يقف ضد مشروعهم يعامل كعدو وليس كمواطن من حقه أن يُعبِّر عن رأيه.

 

فزيفوا الانتخابات بإخفاء سجلاتها وتعديل قوائم الناخبين والتنصت على أجهزة الاتصال مرددين ما قاله حسن البارودي في الفيلم المصري (الزوجة الثانية): "الدفاتر دفاترنا والأختام أختامنا ونعمل اللي إحنا عاوزينه"!!.

 

3- جعلوا الناس لا يفكرون في الديمقراطية لمستقبلهم أو مستقبل أوطانهم ويتخلون عن بناء المجتمعات بأن يجعلوا الناس في قلقٍ دائمٍ ويركزون على غريزة البقاء فقط عن طريق الصدمات الاقتصادية بافتعال الكوارث والأزمات وإثارة الفتن والفوضى ونشر الاضطرابات.

 

4- لكي يجعلوا المواطن يفقد اهتمامه بالقضايا السياسية الحيوية جعلوا الإعلام الفضائي والإذاعي والمقروء عن طريق استخدام التكرار مرات عديدة في إذاعة الخبر حتى يمل المواطن ويفقد اهتمامه ويرسخ لديه الرسالة الإعلامية المطلوبة، وهكذا يحققون مقولة وزير الإعلام النازي "جوبلز" التي تقول "اكذب اكذب فلا بد أن تجد من يصدقك" وكذلك إغراق البرامج عن طريق المشاهير من الفنانين والرياضيين، وكذلك حوارات كثيرة عن الاقتصاد والفضائح والخرافات والقصص التاريخية التي لا تحمل أي مدلولٍ أو هدفٍ إلا تثبيط عزائم الأمة وعندما يخرج رأي مخالف لرأي الأنظمة يطلقوا عليه خبيرًا من عندهم لتسفيه رأيه؛ لأنه يدافع عن الديمقراطية والنصيحة عندهم "حاولوا بكل إمكانياتكم اختيار أشخاص يتمتعون بقدرة هائلة على إهانة الآخرين وإحراجهم وكشف عوراتهم باستخدام الصوت العالي وعدم إعطاء فرصة للتفكير في الرد".

 

5- اعملوا دائمًا على توسيع الفجوة بين الطبقات بحيث يكاد يكون عبور الطبقات الأدنى إلى الطبقات الأعلى شبه مستحيل عن طريق زيادة المرضى والجوعى وزيادة المشتغلين طوال اليوم للبحث عن الأموال التي تكاد تسد رمقهم.

 

6- استفيدوا من الكوارث بإنفاق أموال دافعي الضرائب لإزالتها مثل: "الفيضانات والعواصف والحرائق" ثم أعيدوا هذه الأرض والعقارات للحلفاء السياسيين من رجال الأعمال وغيرهم.

 

7- هاجموا المدافعين عن الحرية والديمقراطية واتهموهم بأنهم شيوعيون ومخربون وهامشيون و"محظورة" ومثقفون في أبراج عالية وهؤلاء يمثلون خطرًا على الديمقراطية واستخدموا إعلاميين من حلفاء الحكومة لتشويه سمعتهم من خلال برامج الحوار وقولوا إن كل ما تفعلونه هذا يقع ضمن واجباتكم الوطنية في الدفاع عن الديمقراطية والأمن القومي.

 

8- قولوا إنكم تحاربون الإرهاب وتترصدونه ولكن لا تتوقفون عن التخطيط للإرهاب وتشجيعه وزرعه وتقويته.

 

وقد استفاد النظام المصري من هذا المشروع الأمريكي أيما استفادة، وتكاد تكون أوجه الشبه متطابقةً بين هذا المشروع وما يمثله النظام المصري، وكانت انتخابات الشورى السابقة سنة 2007م وانتخابات المحليات 2008م نموذجًا وتطبيقًا عمليًّا لتنفيذ هذا البرنامج الرهيب.