كلما جاء ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي حاليًا ووزير دفاع والده بوش الأب سابقًا إلى المنطقة العربية وضع الزعماء العرب أيديَهم على قلوبهم؛ خوفًا من قائمة التكليفات التي يحملها معه ذلك الرجل الصارم؛ لأنه كان مهندسَ الحربَين السابقتَين على العراق عام 1990 المعروفة بحرب تحرير الكويت ثم الثانية في 2003، التي أعلن البنتاجون مؤخرًا سقوط آخر الأكاذيب التي برَّرت الحربَ وقتها، وهي ألاَّ صلة للعراق إطلاقًا في عهد صدام حسين بتنظيم القاعدة.
وقد ثبت قبلها ألا صحة مطلقًا لوجود أسلحة دمار شامل أو برامج لإنتاج تلك الأسلحة، وثبت أيضًا سقوط وَهْم إقامة نظام ديمقراطي كنموذجٍ تحتذيه دول المنطقة، ولم يتبق إلا حقيقة السيطرة على منابع النفط في العراق، وها هو يؤدي في النهاية إلى عكس المطلوب؛ فيتأثَّر سلبًا الاقتصادُ الأمريكي بسبب أزمة تمويل سوق العقارات، وينخفض الدولار إلى مستويات لم يسبق لها مثيل، فيرتفع سعر النفط إلى مستويات غير معقولة ويتجاوز 110 دولارات للبرميل، ويدخل الاقتصاد الأمريكي في بداية الركود، ويؤثر سلبًا في مجمل الاقتصاديات العالمية.
ويتناسى الأمريكيون أن أحد أهم أسباب ذلك الركود هو حجم الإنفاق العسكري الهائل على الحربَين في أفغانستان وفي العراق، والذي تجاوز فيهما 600 مليار دولار مباشرةً وأكثر من ذلك بكثير بطريق غير مباشر.
ووصل عدد القتلى في العراق إلى 4 آلاف والجرحى إلى أكثر من 40 ألفًا ممن يحملون الجنسية الأمريكية ويعملون رسميًّا في الجيش الأمريكي، أما ما عداهم ممن يحلمون بالجنسية الأمريكية والمرتزقة فلعلهم أضعاف ذلك، ولكن ليس لهم بواكٍ في أمريكا، وسنعلم أرقامهم الحقيقية بعد حين.
ومع ذلك فإن مهندس الحروب الاستباقية الأمريكية وقائد فريق الحروب في الإدارة الأمريكية والذي أطاح بكل معارضيه؛ من باول إلى آخر القائمة، وهو يحارب معسكر الدبلوماسية في وزارتَي الخارجية والدفاع.. هذا المهندس ريتشارد تشيني ما زال مصمِّمًا على سياسته، ويفرضها بقوة على الرئيس الأمريكي.. فهل زيارته المرتقبة تمهِّد مسرحَ العلميات في الخليج لحربٍ جديدةٍ على إيران كانت فرصها قد تضاءلت في الشهور الأخيرة؟!
كان تقرير أجهزة الاستخبارات الأمريكية مجتمعةً منذ شهور، والذي أعلن أن إيران أوقفت برنامجها النووي وتفكيرها في إنتاج سلاح نووي منذ عام 2003، وأن برنامجها حاليًا لا يحتوي على خطر إنتاج أسلحة نووية، وهو برنامج سلمي تمامًا.. أفقد الإدارة الأمريكية ذريعةً قويةً لشنِّ الحرب، وقد أزعج ذلك التقرير الكيان الصهيوني تمامًا، وبدأت حملةٌ دوليةٌ للتقليل من أهمية التقرير الاستخباري ولإعادة الشحن الإعلامي من جديد لحربٍ على إيران لا يستفيد منها في المقام الأول إلا هذا الكيان الصهيوني الذي كان المستفيدَ الرئيس من الحرب على العراق.
ثم حدث تطوُّر خطير في الأسبوع الماضي بإقالة أو استقالة الأدميرال وليم فالون قائد القوات الأمريكية في المنطقة؛ بسبب مقالٍ نُشِرَ في مجلةٍ أمريكية حول معارضته لشنِّ حربٍ على إيران، وقد سبق له أن صرَّح لقناة (الجزيرة) بنفس الرأي تقريبًا، وقد انزعج الرئيس بوش من تلك التسريبات والتصريحات التي أظهرت وجود رأي عسكري قويّ يقوده ذلك القائد البارز يعارض أيَّ حرب يرتِّب لها السياسيون الذين يتخذون القرار الإستراتيجي، وهو ما ظهر منذ مدة في ظل قيادة دونالد رامسفيلد لوزارة الدفاع وقيامه بإنشاء إدارات جديدة مستقلة عن الوزارة؛ لتبرير الخطوات العسكرية التي قامت بها إدارتا الرئيس بوش خلال السنوات السبع الماضية.
وها هي رغم هروب كل مهندسي الحروب الاستباقية أو إرغامهم على الخروج من الإدارة تُصرُّ على الإبقاء على خيار الحرب على الطاولة، بل والتفكير الجِدِّي في القيام بمغامرةٍ جديدةٍ يظنون أنها قد تُعيد التوازن إلى المنطقة بتحجيم النفوذ الإيراني الذي تمدَّد بسبب المغامرات الأمريكية، واشتكى منه حلفاء أمريكا المعتدلون من السعودية ومصر والإمارات والأردن، ويقود هذا الخيار بشدَّة تشيني الزائر القادم في شكل مندوب إبليس لشنِّ الحروب المدمِّرة.
هل نحن أمام إعدادٍ لمسرحِ العمليات لحربٍ جديدةٍ ينهي بها الرئيس بوش مغامراته الفاشلة؟ هل زيارة تشيني القادمة خلال أيام هي لنقل التكليفات إلى القادة الزعماء؟ من عليه تمويل العمليات العسكرية ليبدأ في تدبير النفقات؟ ومن عليه تسهيل مرور البوارج وحاملات الطائرات التي تحمل القوات المحاربة؟ ومن عليه توفير المواد الأساسية اللازمة للتموين والغذاء.. إلخ؟ ومن عليه توفير الترفيه العسكري عن القوات العسكرية؟!
تزداد نسبة الإجابة بـ"نعم" على السؤال الجوهري حول شنِّ الحرب إذا أضفنا إلى زيارة تشيني واستقالة فالون هذه المؤشرات الأخرى:
- وجود المدمرة كول أمام السواحل السورية.
- التأزم الشديد في مسألة الرئاسة اللبنانية.
- الفشل الصهيوني في اجتياح شمال غزة كمقدِّمةٍ لاجتياح شامل.
- الإلحاح المستمر على استمرار المفاوضات العبثية بين عباس وأولمرت، وإرغام الجميع على الجلوس إلى مائدة المفاوضات برئاسةٍ أمريكيةٍ؛ لإيهامٍ بوجود أملٍ في حلٍّ عبر المفاوضات.
- التوجيه الأمريكي للقادة العرب بالتروِّي في قرار الحضور لقمة دمشق.
- الضغوط الصهيونية المتواصلة من أجل شنِّ الحرب قبل رحيل الرئيس بوش، وتجييش المشاعر الأوروبية، وتأزُّم المنطقة باستمرار، واعتبار تلك الضربة ستكون موجَّهةً إلى أعدائها المباشرين، مثل حركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية، خاصةً حماس وحزب الله والجهاد الإسلامي.
- التراجع الشديد في الحريات العامة في المنطقة العربية، والنكوص عن بعض إرهاصات الديمقراطية، خاصةً في مصر والأردن؛ بتزوير الانتخابات، ثم وثيقة تقييد حرية الإعلام، والقيود المشدَّدة على الصحافة المستقلة لمحاصرة كل الأصوات المعارضة للحلف الصهيوني الأمريكي العربي ضد ما يسمونه الحلف السوري الإيراني.
هناك عوائق أمام الإدارة الأمريكية تريد إزالتها إذا قرَّرت شنَّ الحرب المرتقَبة، وأهمها الموقف المحايد للوكالة الدولية للطاقة التي صعَّبت تقاريرُها من إمكانية شن الحرب، والموقف الأوروبي المتردِّد من استخدام القوة، والموقفان الروسي والصيني المعارضان للحرب.
ويبدو من الصعب إزالة تلك العوائق خلال الأسابيع أو الشهور القليلة المتبقِّية لإدارة بوش، ولكن متى كان ذلك الرئيس وتلك الإدارة تعبأ بآراء الآخرين ومواقفهم أو حتى بالرأي العام الأمريكي نفسه؟! وطالما بقيت عصابة الحرب تمسك بقرار الرئيس فإننا قد نشهد انفجارًا هائلاً في المنطقة قد يقلبها رأسًا على عقب قبل رحيل بوش غير مأسوفٍ عليه من الجميع.
آخر أوراق العلمانيين في تركيا
فجَّر الادعاء العام في تركيا مفاجأةً مدويةً بطلب حلِّ حزب العدالة والتنمية الحاكم في الجمهورية بتهمة خَرْق التقاليد العلمانية، وقدَّم 17 ملفًّا تتضمن تصريحاتٍ لزعماء الحزب حول الحجاب.
هناك شكوك حول إمكانية صدور قرار المحكمة الدستورية بحل الحزب بسبب تعديلاتٍ تمَّت تجعل الأمر بحلِّ الأحزاب السياسية صعبًا، ولكن هل هي ورقة العلمانيين الأخيرة؟ ماذا يحدث؟.. الله أعلم!!.
المحليات تدخل معركةً قضائيةً
بعد أن نجح الأمن المصري في حصار المقارِّ التي بها لجان الترشيح، ومنع أيّ مواطن من الاقتراب أو تقديم أوراق ترشيحه لعضوية المجالس الشعبية المحلية؛ حكَم القضاء الإداري لما يزيد على 3000 تقريبًا من الإخوان بقبول أوراقهم.
والسؤال الأول: هل يلتزم النظام بتنفيذ أحكام القضاء؟! الإجابة التي عوَّدنا عليها النظام هي طبعًا: لا.
السؤال الثاني: إذا حكم القضاء مجدَّدًا بإبطال الانتخابات وإلغاء نتائجها نتيجةً لذلك.. فهل يلغي النظام المجالس المنتخبة المطعون عليها؟! الإجابة التي حصلت من قبل هي: ممكن جدًّا.
السؤال الثالث: لماذا إذن كانت المجالس الشعبية المحلية وهذه الدوَّامة؟! الإجابة: عند النظام ورجال الأمن الذين من الواضح أنهم أعطوا رجال السياسة بالحزب "كلمة رجالة": أنهم يمنعون الإخوان والمعارضة، "وكلمتهم لا تنزل الأرض".