جمال ماضي

 

1- المستقبل في: الصمود على الحق

 

 

هل سيصمد الإخوان أمام الضربات المتلاحقة عليهم من خصومهم؟

وهل تستطيع الجماعة مستقبلاً أن تنشر مبادئها بحيث تقتنع بها الشعوب؟

وإلى أيِّ حدٍّ سيكون الاستمرار على تقديم التضحيات وتحمُّل الصعاب؟

وهل أفراد الجماعة يتسرَّبون منها أم يزدادون عليها أم في محلك سِر؟

وما مستقبل العلاقة بين الإخوان والأنظمة الاستبدادية القمعية التي تعلن بقوة عن رفضها لوجود الجماعة في نظامها؟!

 

كل هذه الأسئلة بين يدينا ونحن نودع 80 عامًا على نشأة الجماعة، ونستقبل مرحلةً جديدةً تقودها أجيال واعدة في عمر الإخوان وتاريخهم؛ فحينما فاجأ مؤسس الجماعة الإمام البنا الأمةَ المصريةَ والعربيةَ والإسلاميةَ بدعوة الإخوان المسلمين، لم تكن بدعًا، بل كانت ترجمةً للإسلام كواقع للحياة ونظام للوجود وإحياء للفكرة الإسلامية، التي باتت حبيسةً في حواشي الكتب وأروقة المكتبات، فنالت إقبال الناس؛ لأن الإسلام دين الفطرة، فحملوها وحملوا أنفسهم على تنفيذها كرسالة في حياتهم، وقدموا في سبيل إحقاقها كل التضحيات، بل كل ما يملكون.

 

فما السر في في هذا الاستمرار؟ وقد انطلقت أسئلة الغامزين وتساؤلات اللامزين تقول: هل يبغون سلطة ودولة؟ أم يريدون مصلحة ومنفعة؟ أم تراهم مجبرين بضغوط عليهم خارجية كغيرهم، فلا حول لهم ولا قوة؟!

 

كل هذه الترَّهات ينشرها أناس لم يجربوا الربانية ولم يعلموا الرسالة ولم يدروا التكليف، ولذلك فقياسهم للأمر بعيد عن الحقيقة، ولن يفلحوا إلا حينما يصدقون مع ربهم، ويتجرَّدون لإسلامهم، ويحملون فكرة الإسلام لا يرضون عنها بديلاً: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: من الآية 143).

 

فإن للإخوان غايةً ومنهجًا ودعوةً، يقدمونها للناس في غير لبس ولا مواربة ولا لف ولا دوران، والناس في تصوُّر الإخوان هم المسلمون؛ فهم أبناء هذه الدعوة، وكل المسلمين هم أهل هذه الدعوة، ومن أجل ذلك فدعوة الإخوان هي (دعوة الإسلام)، بعيدًا عن المطامع الشخصية والمنافع المادية والأهواء والمصالح: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ (108)﴾ (يوسف).

 

ولذلك فهم يتقدمون للمجالس النيابية والتشريعية والشورية والاتحادات النقابية والطلابية والعمالية؛ حبًّا للناس، وفداءً للأمة، من أجل عزتها وإعلاء كلمتها ورفعها من الهوان والذلة، التي يجتمع من أجلها المتآمرون، من الخصوم وأصحاب الأهواء الفاسدة، والذين يجاهرون بأفعالهم الفاضحة في النَّيل من ثوابت الأمة، والحيلولة دون إعادة مجدها أو استرداد أرضها أو رفع شأنها من الفقر والغلاء والمعيشة السافلة.

 

إذن هو "صمود على الحق" يعلنه الإخوان، بمعنى صمود على الربانية، وصمود على الرسالة، وصمود على التكليف، وصمود على الفناء لخدمة الناس، وصمود على إصلاح المجتمع، وصمود على كشف الفساد، وصمود على فضح التآمر على الحق، كما أعلنها مؤسس الجماعة الإمام البنا في قوله: "دعوة الإخوان دعوة بيضاء نقية غير ملونة بلون، وهي مع الحق أينما وُجِد".

 

2- المستقبل ملك للجميع

قد يظن البعض أننا حينما نتساءل عن مستقبل الإخوان أن المستقبل ملكٌ للإخوان، أما غيرهم فليذهبوا إلى الجحيم!!، وهذا منافٍ تمامًا لما تبيَّن لنا من أن المسلمين هم أبناء الدعوة، والإخوان جزءٌ منهم، قطعوا على أنفسهم أن يكونوا لهم لا لغيرهم، يقدمون التضحيات من أجل المستقبل المشرق للجميع؛ لذلك فالمستقبل ملك للجميع، وأبوابه مفتحة أمام كل من أراد العمل والتصدي وله وافر أجره، أو من أراد المشاركة والمساندة وله عظيم سعيه، أو من أراد الدعاء والاحترام وله كل خيره، أما من أراد العناد والمخاصمة فلن يعود عليه نفع، وستخذله نواياه المستترة، فالمستقبل القادم هو من صنع الأوفياء، ونفعه لا شك من نصيب الأصفياء، بل من أعماق القلوب، ندعوه إلى الحق، عساه أن يكون من المهتدين.. ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (القصص: من الآية 56)، خاصةً في زمان وعى الناس فيه إلى الباطل وعمل المبطلين وعيهم بأسمائهم، وافتضح لديهم الفساد وصنائع المفسدين أكثر من فضائح بني صهيون!!.

 

إن صناعة المستقبل تتطلع إلى جهود الجميع، والجهود لا تجدي وهي مبعثرة، وهذا واجبنا جميعًا، بأن نعمل معًا؛ فإن عشنا من أجل صناعة المستقبل عاش المستقبل لنا؛ خلاصًا للنفوس من الفوضى العارمة، وإسعادًا للشعوب من الآلام المتصاعدة، وراحةً للحياة من الحكومات الظالمة.

 

3- ما الذي يحتاجه منا المستقبل؟

هل صناعة المستقبل تكون بالخمول والكسل أم بالقوة والعمل؟

هل صناعة المستقبل تكون بالنوم والتواني أم باليقظة والمبادرة؟

هل صناعة المستقبل تكون بالتراجع والتردي أم بمواجهة الأزمات؟

هل صناعة المستقبل تكون بالتنازل والاستسلام أم باحتمال الصعاب؟

 

- إن بناء مستقبل لأمتنا العربية والإسلامية في ظل هذا الحصار المؤلم والاحتلال المدمر والإذلال المتعمَّد والتآمر المحبك.. يحتاج إلى سواعد فتية، وأجيال واعية، وإيمان قوي، وضمائر حية، حتى لا يستغلَّنا عدوٌّ، ولا يستغفلنا متملِّق!!.

 

- وإن نجاح المستقبل مرتهنٌ بالثبات على المبدأ، والالتفاف حول الحق، والتجرد من كل الأفكار والتيارات والآراء، التي يحاولون بها أن تعصف بالإسلام فكرةً وواقعًا، خاصةً في عالم مفتوح بأرضه وسمائه، وإعلام كالسحر في جذب الرءوس والقلوب، ومسميات برَّاقة تحمل في جوفها التشويه والتدليس والتزوير.

 

- فدعوة الإسلام هي دعوة الوطنية للوطنيين، والقومية للقوميين، والحرية للثوريين، والاستقلالية للمقاومين؛ لأنها دعوة العزة والكرامة.. ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (المنافقون: من الآية 8).

 

- ولا تعرف دعوة الإسلام التفرُّق والتناحر والتراشق والتضاغن والتضارب والتحارب، فكل ذلك لا يصلح في صناعة مستقبل وضَّاء، وبناء أمة جديدة، وصحوة جيل قويّ.

 

- إن كل المسلمين هم أمتنا، وفي الغد القريب يفجرون الحدود، ويدمِّرون أوهام سايكس وبيكو، ويتحدون في جغرافيا واحدة، ويمتزجون في شعور مشتعل، ويتوافقون على إحساس متقد، في رابطة واحدة لا تتفكَّك، بل وتستعصي على كل عدو متربص بنا.

 

4- هل المستقبل عدوٌّ للإنسانية؟

﴿لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)﴾ (الممتحنة).

 

- فمستقبل يحمل البر والعدل والمساواة والوحدة الإنسانية لجديرٌ بأن تلتفَّ البشرية حول ما يحمل من دعوة، تدعوهم إلى الخلاص والرقي، من معاناة التخبط والانحلال والإلحاد والانتحار والاضطراب!!.

 

- وإن مستقبلاً تعلن رسالته بأن بيننا وبين الإنسانية رابطةَ الدعوة كما بيَّنها المؤسس الإمام البنا.. "نسالمهم ما سالمونا، ونحب لهم الخير ما كفوا عداوتهم عنا"، لجدير بأن تقوِّي البشرية هذه الرابطة بدلاً من التصارع والاحتلال والنهب واللصوصية وإهدار الحقوق.

 

- نعم.. إن مستقبل الإنسانية لا يتحقَّق إلا بالتناغم مع دعوة الإسلام، ويومها لا وجود للظلم والاستبداد والقهر والانحلال والفساد، الذي ينشره المشروع الأمريكي الصهيوني:

الذي يعادي الإسلام وهو دواء البشرية من أمراضها

والذي يعادي الإنسانية من أجل تحقيق مصالحه!

والذي يفتك بالإنسان حتى لا يخضع إلا لأوامره وهيمنته.

فالمستقبل لمن؟

لمن هو عدوٌّ للإنسانية أم لمن يقدم قارورة الإنقاذ لما وصلت إليه البشرية؟!

--------

gamalmady@yahoo.com