الصورة غير متاحة

محمد رجب سالم

 

لا نجد في العالم بأسره حكَّامًا ينطبق عليهم وصف الذلة والمهانة سوى الحكام العرب، وليس هذا تجنيًا عليهم، ولا افتراءً نقذفهم به، وإنما هي الحقيقة المُرة، فقد باعوا قضاياهم، وانفصلوا عن شعوبهم، بل وباتوا أدواتٍ في أيدي الأعداء لتنفيذ مخططاتهم، وتحقيق مؤامراتهم.

 

لقد فقدوا روح العقيدة، ودماء الوطنية، ومشاعر القومية، وروابط الولاء والانتماء، وأصبحوا يتصفون ببلادة إحساس لا نظير لها في شرق أو غرب، والدليل على ذلك قائم وماثل ومتكرر؛ فها نحن نشهد ما تصنعه "إسرائيل" في قطاع غزة، مدعومةً بالآلة العسكرية الأمريكية، فيرتقي إخوتُنا الفلسطينيون بالعشرات بين شهيد وجريح، وتُهدَم البيوت فوق رؤوس أصحابها، ولا يملك حكامنا الأشاوس سوى بيانات الاستنكار والشجب والإدانة، بل أكثر من ذلك يطالبون المُدافع عن نفسه أن يكفَّ عن الدفاع، حتى لا يستغل العدوُّ ذلك ذريعةً لمزيدٍ من العدوان، وقد جهلوا أو تجاهلوا الحكمة القائمة: "قبل أن تأمر الباكي بالكف عن البكاء، تأمر الضارب أن يرفع العصا".

 

وليست المذبحة القائمة بجديدة ولا أخيرة، وإنما هي حلقةٌ في سلسلة متصلة الحلقات لبلوغ غاية وتحقيق هدف، ألا وهو إبادة الشعب الفلسطيني المسلم.

 

- هل نسيتم أيها السادة مذبحة "دير ياسين" التي حدثت في فلسطين بتاريخ 8/4/1948م بقيادة السفاحين: "مناحم بيجين" و"إسحق شامير"، وكانت حصيلتها: قتل 254 رجلاً وامرأةً وطفلاً، والتمثيل بجثثهم بتقطيع الأوصال، وإلقاء الجثث والأشلاء في بئر القرية؟!

 

- هل نسيتم أيها الأشاوس مذبحة "قبية" التي نفَّذها السفاح "أرئيل شارون" على رأس الفرقة رقم 101 من فرق الجيش "الإسرائيلي"، مهاجمين قرية "قبية" بالضفة الغربية في 14/10/1953م، وكانت حصيلة المذبحة قتل 66 معظمهم من النساء والأطفال، بالإضافة إلى إصابة 75 آخرين بإصابات خطيرة وتدمير 45 منزلاً؟!

 

- هل نسيتم أيها المغاوير مذبحة "خان يونس" التي وقعت في سنة 1956م، حين هاجمت القوات الصهيونية المدينة الآمنة بحجَّة البحث عن السلاح والفدائيين، ونجم عن هذه المذبحة قتل 175 فردًا؟!

 

- هل نسيتم أيها الزعماء مذبحة "صابرا وشاتيلا" التي نفَّذها أيضًا السفاح "أرئيل شارون" ضد الفلسطينيين في لبنان في 16/9/1982م، وحشدت "إسرائيل" لتنفيذها ما يزيد على 150 دبابةً، 100 ناقلة جنود، 14 عربة مدرعة تحمل مجموعة من المدافع المختلفة و20 جرافةً، ورغم أن تنفيذ المذبحة لم يستغرق أكثر من 40 ساعةً، فإن حصيلتها كانت مروِّعةً بما تحمله الكلمة من معانٍ، فقد زاد عدد الضحايا عن 4000 ضحية، بالإضافة إلى أعداد أخرى مجهولة التقطتها الجرافات "الإسرائيلية"، وحملتها الشاحنات إلى أماكن مجهولة خارج المخيم تدفن في مقابر جماعية، وهي تشكو إلى ربها ظلم الطغيان وتقاعس الإخوان.

 

والإجابة أنكم تتناسون ذلك كله، وتفرِّطون في كرامة أمتكم، بل ونجدُكم رحماء بأعداء دينكم، في الوقت الذي نجدُكم فيه أشداء على شعوبكم، حتى صدق فيكم قول الشاعر:

أسدٌ عليَّ وفي الحروب نعامة          فتخاء تنفر من صفير الصافر

 

ومن المضحكات المبكيات أن قادتنا الكبار يعتقدون اعتقادًا راسخًا أن إقامتهم على الذلة والهوان على هذا النحو الذي يمارسونه، ضربٌ من الحكمة ولونٌ من الرشاد والسداد.

 

إن الوطن العربي من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر، قد وُضِعت خطةٌ محكمةٌ لتمزيق أوصاله، وتقسيم دوله إلى دويلات، ويجري تنفيذ هذه الخطة المحكمة على قدم وساق، وما يحدث في السودان والعراق لهو خيرُ دليلٍ وأوضحُ برهانٍ على ذلك، كل ذلك يحدث وحكامنا المغاوير يقول كل واحد منهم: "نفسي.. نفسي"، ويقول: "أنا وبعدي الطوفان"، معتقدًا أنه حين يغض الطرف عما يحدث لأخيه العربي، فإن ذلك سيجعله من المقرَّبين من رب البيت الأسود الأمريكي، وفي نجوة من الهلاك والاستئصال، وهم جميعًا في ذلك واهمون، وعن الحقائق غافلون.

 

إن أمريكا يا سادة لا تريد حلفاء أقوياء، وإنما تريد الكل تابعين ضعفاء، فلماذا تقبلون لشعوبكم الضيم ولأنفسكم التبعية والهوان؟! أين غيرتكم على عقيدتكم وعلى عروبتكم وعلى مقدساتكم؟!

 

إن أعداء الأمة يضربون بكل العهود والمواثيق عرض الحائط، وأنتم تأبون إلا التمسك بها، وإلا التشبُّث بخيار السلام، وإني لأتساءل: السلام مع من؟ أيكون سلامًا مع خائن غادر سفاك للدماء؟! أليس من السفه والحمق والبلاهة- بل والخيانة أيضًا- أن ألوِّح بغصن زيتون لمن صوَّب سلاحه نحو صدري ليقتلني؟!

 

أيها الحكام الأشاوس المغاوير: إن تمسككم بما تسمونه خيار السلام، يزيد من جرأة عدوِّكم عليكم، فسيسفك المزيد من دمائكم، ويدنس الموروث من مقدساتكم.. إن حجتكم الواهية والبالية هي: كيف نحارب "إسرائيل" المدعومة بأمريكا القطب الأوحد والقوي في عالم اليوم، ومِن ثَمَّ فلا محيص عن المهانة والمسالمة من وجهة نظركم، وهي من غير شك حجَّة داحضة؛ فباستقراء التاريخ نجد أن انتصارات المسلمين والعرب على أعدائهم قديمًا وحديثًا قد تحقَّقت، والمسلمون أقل عددًا وأضعف عتادًا، ولم يتفوَّقوا على عدوِّهم إلا في قوة الإيمان وصلابة العقيدة.

 

ولماذا نذهب بعيدًا وقد رأينا منذ عام تقريبًا كيف أذاق حزب الله "إسرائيل" الأمرَّين، وقهر صفَّها قهرًا لم نشهد له مثيلاً في العصر الحديث، حتى اعترف الصهاينة أنفسهم بذلك في تقرير رسمي أذاعوه على القاصي والداني من شعوب المعمورة، وليست شعوبكم بناسية، أيها الأشاوس، خذلانكم لمجاهدي حزب الله وقياداته، تمامًا كما تخذلون الآن المجاهدين في فلسطين؛ وذلك إرضاءً لسادتكم وكبرائكم.

 

ألستم أنتم الذين رميتم المجاهد حسن نصر الله بالتهوُّر والاندفاع، معرِّضًا المنطقة كلها للخطر، بل أغلقتم عيونكم وآذانكم حين قصف العدو الصهيوني لبنان بطائراته ومدرعاته، وكأن الذي يُضرَب ليس بلدًا شقيقًا، بل الأدهى والأمرّ ما أُشيع وقتها من أن بعض أمراء الخليج اتصلوا هاتفيًّا برئيس وزراء الكيان الصهيوني "إيهود أولمرت" يرجونه ويتوسَّلون إليه ألاَّ تقصف طائراته قصورَهم في بيروت؟! يا للذلة والهوان، بل يا للعار والشنار!!.

 

إن الصراع بين الحق والباطل وبين الخير والشر حقيقةٌ قائمةٌ وباقيةٌ إلى أن يأذن الله بنهاية هذا العالم، فَلِمَ نرضَ لأنفسنا الهوان والاستكانة، ونفرِّط في الأخذ بأسباب القوة والبأس، فتُنتَهك حرماتُنا، وتُداس مقدساتُنا، وتُسفك دماؤنا، لقد صدق فينا قول نزار قباني رحمه الله:

والعالم العربي يرهن سيفه    حكاية الشرف الرفيع سراب

 

أين أنتم يا حكامنا الأشاوس ويا قادتنا المغاوير من الأمر الإلهي: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال: من الآية 60)؟!

 

إن ديننا الحنيف يا سادة لا يطلب منا المستحيل، أو ما فوق الطاقة، وإنما يأمر فقط باستفراغ الجهد، واستنفاد الممكن والمتاح، لنردَّ القوة بالقوة، والبطش بالبأس، والعدوان بالصولجان، فلا بقاء لحق دون قوة تحميه، وبلا سلطان يذود عنه.

 

وصدق من قال:

  يا عرب إن الله جل جلاله       لا يستجيب إلى دعاء النوَّم

   اليوم ألسنة المدافع وحدها       مقبولة الدعوات طاهرة الفم

الأرض للأقوى على جنباتها      ليست لأتقاها ولا للأعلم

     والجو لا يملكه غير نسوره        والغاب لم يملكه غير الضيغم

فهل أنتم معتبرون؟! ولكرامة أمتكم مستردون؟!

--------

* داعية وكاتب إسلامي.