الصورة غير متاحة

هاني صلاح الدين

 

من المقبول أن نسمع عن إنسان فقد صوابه أو فقد عقله، لكن ليس من المقبول أن نسمع عن نظام فقد عقله وأهليته لحكم شعب أصبح يحترق بالاستبداد والفساد، ويكتوي بنيران الغلاء، ولعل ما تشهده مصرنا (المهروسة) من مهاترات في انتخابات المحليات خيرُ دليل على أننا أمام حالة فريدة في اختلال العقل وفساد الفكر وغياب المنطق عن نظام تحوَّل من مجموعة تحكم إلى مجموعة بلطجية، أشهروا (السنج والمطاوي) في وجه كل من سوَّلت له نفسه أن يخوض انتخابات المحليات، رافعين شعار (تجفيف الانتخابات من المنبع).

 

وكان لي في الأيام الماضية تجربة مريرة، استشعرت على إثرها أننا أمام حالة مستعصية من العته والشيخوخة والغباء السياسي لهذا النظام الذي احترف تأميم الانتخابات ومحاربة الإصلاح؛ فقد قررتُ خوض انتخابات المحليات ضمن كوكبة من شباب وشيوخ الإخوان المسلمين بمحافظة بني سوف، الذين تمتلئ قلوبهم بحب هذا الوطن ويريدون إصلاحًا تُرفع بها راياتُ الحق، ويندحر به الغلاء القاتل لفقراء شعبنا.

 

ولكن مع البداية لتجهيز الأوراق المطلوبة للترشيح وجدنا عقباتٍ أغرب من الخيال، فهذا "فيش" يُمنع عنا لمدة 7 أيام، رغم أنه من المفترض قانونًا أن نستلمه في نفس اليوم؛ لأنه ذات صفة مستعجلة، ولكن صدرت الأوامر من أمن الدولة لقسم شرطة شبرا بعدم تسليم هذه الفيشات إلا صبيحة يوم إغلاق باب الترشيح، ثم وجدنا تعنُّتا آخر من قِبَل جهات السجلاَّت العسكرية، التي من المفترض أن نستخرج منها شهادة الخدمة العسكرية.

 

ولكن تغلب الكثير منا على هذا الأمر، وسقط بعضنا في شباكه؛ مما خلفه عن استكمال مشوار الترشُّح، وما لبثنا إلا وجدنا عائقًا آخر تمثَّل في تعنُّتٍ واضحٍ من أقسام الشرطة في استخراج بطاقة القيد الانتخابي، ولكن بعد صبر ومثابرة حصلنا عليها متمِّمين أوراق الترشيح التي قمنا بالإعداد لها في سرية كاملة؛ حتى لا يكون مصيرنا كمئات الإخوان الذين غيَّبهم بطش النظام خلف الأسوار.

 

ثم جاءت لحظة التقديم بعد هذا المارثون مع أوراق بالغة التعقيد في الحصول عليها، ولكن وجدنا فكرًا جديدًا  سخر عصابة من المفسدين تفنَّنت في إقصاء أي شخص عن الترشيح، فتارةً نجد الطوابير الوهمية التي تبدأ من بداية اليوم لنهايته دون أن يتحرك هذا الطابور المصاب بالشلل التام وتارةً نجد طوابير النساء (مسجَّلات خطرًا)، التي يجبِر أصحابُ الدبابير المرشَّحَ على الوقوف خلفها، ثم ينتهي الأمر بمحضر تحرُّش جنسي ضد من أراد الترشيح، ويصبح مخيَّرًا بين تسليم أوراقة لضباط أمن الدولة وينسى فكرة الترشح معلنًا الندم والتوبة عن هذه الخطيئة، أو يُساق لقسم الشرطة بتهمة التحرُّش!!.

 

وتارةً نجد موظفًا يقلب أوراق المرشَّحين، ويصرخ في وجوههم أن الأختام التي على الأوراق مزوَّرة؛ "لأن النسر الذي على الختم لم يظهر نوعه: ذكر أم أنثى!!، وتارةً نجد أن مقارَّ قبول أوراق الترشيح تحوَّلت إلى ثكنة عسكرية ممنوع الاقتراب منها، وتارةً تجد أن الذي يتسلَّم منك الأوراق هو ضابط أمن الدولة.

 

وعندما يئسْنا من تقديم أوراقنا بالطرُق المعروفة اتجهنا للقضاء بعد رفض المحضرين تسلُّم الأوراق بناءً على أوامر أمنية، وبالفعل حصلنا على أحكام قضائية ولكن وجدنا أنفسنا أمام حالة من التعنُّت والرفض لتنفيذ هذه الأحكام.

 

وبعد هذه التجربة المريرة مع هذا النظام الساعي بقوة لإفساد الحياة السياسية في مصر قد خلصت لمجموعة من الحقائق، ومنها:

- أن النظام المصري القائم أصبح في النزع الأخير من حياته السياسية؛ فمعالجته لملف المحليات أكدت أن هذا النظام أفلس وأصبح لا يعتمد إلا على البطش الأمني والبلطجة للتخلص من منافسيه.

 

- أن قيادات الحزب الوطني علمت مدى تهاوي شعبيتها في الشارع المصري، وأنها غير مؤهَّلة لأيِّ نوع من المنافسة السياسية الشريفة.

 

- يسود النظام ذعرٌ واضحٌ من تنامي شعبية جماعة الإخوان المسلمين في الشارع المصري، وأنه يحاول التضييق عليها بشتى الطرق؛ فبالرغم من أن تجربة الشورى الأخيرة كان التزوير هو سيد الموقف فيها، إلا أن النظام ضاق ذرعًا بالجماعة، لدرجة أنه خطَّط جيدًا لمنعهم من استثمار فرصة المحليات في الدعاية لأفكارهم والالتحام بالشارع المصري وطرح رؤيتهم الإصلاحية، وذلك عن طريق منعهم من الترشح (فكرة تجفيف المنبع).

 

- كما أثبتت تجربة المحليات أن هناك فسادًا مستشريًا في أجهزة الدولة يفوق التصور، بدايةً من المحليات وقياداتها التي تفنَّنت في تمرير مخطط الأمن في منع المرشحين بكل قوة، ومرورًا بالأجهزة الأمنية التي استغلَّ بعض أفرادها الفرصة لمزاولة هويَّته في التضييق على الشرفاء واضطهادهم وقطع أرزاقهم ونهايةً ببعض هيئات وزارة العدل، التي امتنعت عن تسليم أوراق الترشيح أو تنفيذ الأحكام.

 

- ظهرت نية النظام بوضوح نحو عدم تكرر تجربة انتخابات النيابية لعام 2005، والتي أفرزت نوابًا كشفت مستور النظام وعرَّت عوراته، وأظهرت للجميع مدي تغلغل الفساد في وطن أصبح يئنُّ شعبُه من زواج فاسد بين السلطة والمال، نتج عنه لقطاء الاحتكار ووزراء البزنس.

 

- أثبتت جماعة الإخوان المسلمين أنها قادرةٌ على إيجاد كوادر سياسية واعية، تتحدى الصعوبات، ثابتة على المبدأ، لا يضرُّها بطش النظام أو يخوفها جبروتُه.

 

وبذلك أصبحنا فعلاً أمام نظام فقد عقله وفسد فكره وننتظر رحيله.

-----------

صحفي مصري ومرشح لانتخابات المحليات.