يستشهد كثيرٌ من أبناء مصر المخلصين بتصريحٍ للسيد زكريا عزمي بأن الفساد في المحليات قد وصل للرُّكَب، ومع أن هذا التصريح قد زاد عمره عن عشر سنوات فإنني أرى أنه لم يعد مواكبًا لما نراه ونحياه؛ فقد تجاوزت معدلات الفساد في مصر الحد الذي يجعلها وصلت للأعناق، وربما تغرقنا جميعًا وتهدِّد سلامة هذا الوطن.

 

وقد أدَّى تفاقم ظاهرة الفساد إلى تسبُّبها في إلحاق خسائر بالاقتصاد الوطني تصل إلى 50 مليار جنيه سنويًّا؛ حيث أكَّدت التقارير أن الرقابة الإدارية والنيابة الإدارية تضبطان 73 ألف قضية فساد في العام داخل الجهاز الحكومي بمعدل قضية كل دقيقتين (رقم عالمي جديد) بعد أن كانت قضية كل 7 دقائق منذ سنوات قليلة، طبقًا لتصريح اللواء هتلر طنطاوي رئيس هيئة الرقابة الإدارية السابق، كما أشارت هذه التقارير إلى تورُّط مسئولين كبار في الجهاز الحكومي والمحليات والهيئات الاقتصادية والقطاع العام والبنوك.

 

وأضافت الدراسة أن فساد المحليات كان على رأس أسباب تفشِّي ظاهرة مخالفات المباني، كما أن تقرير منظَّمة الشفافية العالمية وضع مصر في ترتيب سيئ بين الدول الأكثر فسادًا في العالم.

 

وأوضحت التقارير أن نتائج الفساد انعكست على أوضاع المصريين؛ حيث أصبح 48% من أبناء الشعب تحت خط الفقر، وحدَّدهم تقرير التنمية البشرية بـ28 مليون مواطن؛ منهم 8 ملايين عاطل يبحثون عن وظيفة أو أية فرصة عمل، وأضافت أن حالة المجتمع المصري من فقرٍ وبطالةٍ هي نتيجةٌ متوقَّعة لانتشار الفساد وتوغُّله في الجهاز الحكومي.

 

وبمراجعة هادئة للتقرير الذي أصدره "ملتقى الحوار للتنمية وحقوق الإنسان" بتاريخ الثلاثاء 31 أكتوبر 2006م نجد ما يلي:

1- عدد الحالات والمبالغ المختلسة 91 حالةً: 3 مليون و587 ألف و772 جنيهًا.

2- المبالغ المهدرة "إهدار المال العام": 574 مليون و38 ألف جنيه.

3- إجمالي مبالغ قضايا الرشاوى في المحافظات: 6 ملايين و152 ألف و616 جنيهًا.
في القاهرة فقط: مليون و606 آلاف و400 جنيه.

4- بلغت نسبة الإنفاق الصحي من الناتج القومي عام 1997 حوالي 3%، وتناقصت إلى أن وصلت إلى 2.2% عام 2004 حتى وصلت في ميزانية العام الحالي إلى 1.7 %!!
هذا في الوقت الذي تمثِّل فيه نسبة الإنفاق الصحي في دول العالم نحو 8%.

 

وتؤكِّد تقارير هيئة الرقابة الإدارية- مجلس الشعب- لجنة الإدارة المحلية- الجهاز المركزي للمحاسبات الأحكام القضائية.. حجم الفساد بالمحليات؛ فقد كشف تقريرٌ عن الفترة من يوليو 2004م وحتى يونيو 2005م إهدارَ نحو 236 مليون جنيه في مخالفاتٍ شملت جميع المحافظات؛ حيث شيوع مظاهر من التزوير، والاختلاسات، والرشوة، والتلاعب في العُهَد والمخازن وسرقتها، وصرف أموال بدون وجه حق، بالإضافةِ إلى التعدي على أراضي الدولة.

 

وقد ترتَّب على ذلك إهدار أموال الشعب، فضلاً عن تدهور مستوى الخدمات في الصرف الصحي، مياه الشرب، الطرق، التعليم، الصحة، وتدهور الأوضاع البيئية بسبب التلوث وحتى أصبحت القمامة المنتشرة في جميع المناطق والأحياء والقرى بالمحافظات مشكلةً لا تقدر عليها المحليات.

 

وإذا كان في تقرير واحد قد تمَّ هدر 236 مليون جنيه، فإذا عرفنا أن الجهاز المركزي للمحاسبات يصدر تقريرين سنويًّا عن المحليات بأنه خلال العشر سنوات الأخيرة صدر 20 تقريرًا يرصد هدر ما يزيد ما يقرب من أربعة مليارات من الجنيهات، وهو ما يؤدي إلى إعاقة التنمية؛ حيث تعثر المشروعات الجديدة بالمحافظات، ويكفي أن نشير إلى تعثُّر مشروعات عديدةٍ، منها: إنشاء محطات مياه الشرب والصرف الصحي، وتأخير بقاء المستشفيات والوحدات الصحية والعديد من الأبنية الخدمية والحكومية، ويرجع ذلك إلى انخفاض التمويل، وبسبب الفساد بالمحليات.

 

فساد الصناديق الخاصة

كما كشفت التقارير المحاسبية للمحليات عن وجود مخالفات في الصناديق الخاصة التابعة للإدارات المحلية؛ حيث تبيَّن وجود مخالفات في المحافظات وإهدارٍ للمال العام بلغ مليار و648 مليون جنيه في الفترة من (97 - 2003) دون اتخاذ الإجراءات القانونية ضد المسئولين عن ذلك لم يُصرف منها سوى 75% ولم يُستخدم الباقي في تحقيق مشروعات تنموية.

 

ومن الملاحظ أن القطاع الخاص يعتبر طرفًا في الفساد المنتشر بوحدات الإدارة المحلية؛ حيث يتعلَّق الأمر بتنفيذ آلاف المشروعات الخدمية والتنموية من خلال المناقصات والأمر المباشر، وهو مجال خصب للتلاعب من قِبل كبار وصغار المسئولين بالإدارة المحلية، بل إننا نلاحظ في العديد من الحالات أن الأعضاء المنتخبين في المجالس الشعبية المحلية طرفٌ في هذه الانحرافات.

 

وقد شكا بعض المحافظين والمسئولين بالإدارة المحلية من تدخُّل هؤلاء الأعضاء للضغط من أجل اختراق القوانين لمحاباة المقاولين والمورِّدين الذين تتعاقد معهم وحدات الإدارة المحلية ومديريات الخدمات التي يدخل نشاطها في نطاق الإدارة المحلية، مثل الصحة، التعليم، الزراعة، الشباب، الطرق والإسكان.. إلخ.

 

الأحكام القضائية

وقد أدَّى انتشار الفساد في المحليات بصورةٍ كبيرةٍ إلى إحالة عدد من المحافظين إلى المحاكمات القضائية؛ حيث تمَّ محاكمة المحافظين: محمود عثمان إسماعيل (أسيوط)، يحيى حسن (المنوفية)، فؤاد عزيز غالي (سيناء)، عبد الحميد حسن (الجيزة) وماهر الجندي، فضلاً عن إحالة عددٍ من رؤساء مجالس المدن وعددٍ من سكرتير العموم وبعض رؤساء الأحياء للمحاكمات الجنائية والمحاكم التأديبية، بالإضافة إلى ظاهرة عسكرة حياة المحليات بالمحافظات بزيادة نسبة المعيَّنين من المؤسسة العسكرية في حركة المحافظين ورؤساء المدن والأحياء.

 

العمارات المنهارة

 الصورة غير متاحة
 

وفي الوقت الذي تقوم فيه الإدارات المحلية بالمحافظات والمدن بمنح تراخيص البناء للمدن والتجمعات العمرانية الجديدة الخاصة بكبار رجال الأعمال والطبقة الطفيلية الجديدة في مصر، وهي المدن التي تقدَّم لها جميع التسهيلات في ثمن بيع الأرض والمرافق الخاصة بالبنية الأساسية، وهي المدن التي توضِّح الفوارق الطبقية الكبيرة الجديدة داخل المجتمع، فإنه في المقابل نجد ظاهرة انهيار العمارات في المحافظات والمدن القديمة.

 

فهناك جانب آخر من المخالفات يتعلَّق بالإدارات الهندسية بالمحافظات كشفتها دراسةٌ قام بها مركز بحوث الإسكان والبناء عن مخالفات رُخَص البناء تمَّت على عيِّنةٍ عشوائيةٍ؛ حيث وُجد أن نسبة الرُّخَص المخالفة للبناء في مدينة نصر 98%، أما في مصر الجديدة 90%، وفي محافظة الجيزة بلغت نسبة المخالفات 97%.

 

وأشار تقريرٌ آخر إلى وجود 52 ألف مهندس بالإدارات الهندسية بالأحياء والمدن والمحافظات متهمين أمام النيابة العامة والإدارية؛ بعضهم تمَّت إدانتهم والآخرون ما زالوا أمام التحقيقات.

 

وفي دراساتٍ أعدَّتها مباحث الأموال العامة بالتعاون مع مركز بحوث البناء والتفتيش بوزارة الإسكان كشفت أنه تمَّ القبض على 103 مهندسين بالإدارة المحلية والهندسية في السنوات الأخيرة بلغت ثرواتهم مليارين و361 مليون جنيه من واقع الحصر الرسمي لثرواتهم المتمثِّلة في المجوهرات والعقارات والأراضي التي يملكونها.

 

فساد المحافظات

ولعلَّ أكثر مظاهر الفساد وضوحًا ما كشفت عنه نتائج أحدث استطلاعات الرأي العام (أغسطس 2007م) الذي قام مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء؛ حيث كشف أن 2.75% أكَّدوا تقديم الرشوة والهدايا والإكراميات، وقال 9.74% ممن شملهم الاستطلاع إن مجاملة الأقارب والاعتماد على المعارف لتسهيل الإجراءات الحكومية بنسبة 1.37%، وأكَّد 65% أن الموظف العام يتصرَّف في المال العام لمصلحته الخاصة، وأن الفساد واسع الانتشار.

 

 الصورة غير متاحة
 

وأرجع الاستطلاع أسباب الفساد الإداري بالمحافظات إلى "البطالة وانخفاض الأجور وعدم عدالة توزيع الدخول" في المرتبة الأولى بنسبة 3.27%، تليها الأسباب الاجتماعية "الوساطة- المحسوبية- جشع واستغلال الموظفين" بنسبة 7.23%، تليها الأسباب الإدارية فيما تنشره الصحف حول قضايا الفساد 20%، وتأتي في ذلك القائمة الأسباب الأخلاقية، بالإضافة إلى أهم الأسباب وهي انعدام الرقابة على الحكومة.

 

كما يظهر الاستطلاع الأخير الصادر عن مركز معلومات مجلس الوزراء أن الفساد شمل المحافظات جميعها.

 

الأسباب الحقيقية للفساد

ويرجع فساد المحليات ومظاهر تدنِّي مستوى الخدمات بالشوارع الشعبية بالمحافظات والقرى إلى مجموعةٍ من العوامل والأسباب الموضوعية التي يمكن إجمالها في:

1- ازدواجية الإشراف على الأجهزة التنفيذية بالمحليات التي تجمع بين المركزية والمحلية؛ على أساس احتفاظ الوزارات المركزية بحق الإشراف على الاختصاصات المفوَّضة للمحليات؛ وذلك بالمخالفة للنص الدستوري وتعديلات الأخيرة، والذي يؤكِّد ضرورة انتقال السلطة للمحليات تدريجيًّا وللأسف الشديد، رغم صدور ثمانية تعديلات على قانون المحليات جميعها أكَّدت "المركزية" وابتعدت على المحلية، كما تجلَّى ذلك في الإطار التشريعي والشئون المالية، وبخاصةٍ التمويل، مع انعدام الديمقراطية والمشاركة الشعبية.

2- ضعف الرقابة الشعبية والمساءلة؛ وذلك حين تمَّ إلغاء حق الاستجواب للمحافظ أو من ينوب عنه في المحليات، وتحويل "الحكم المحلي" إلى "إدارة محلية" وقصر دور المجالس الشعبية على مجرد تقديم "سؤال" أو مجرد "طلب إحاطة" أو حتى "بيان عاجل"؛ وذلك في مقابل أن كفل القانون حقِّ المحافظ ووزير الإدارة المحلية ورئيس مجلس الوزراء في الاعتراض على قرارات المجالس الشعبية، بل حقَّ حلِّ المجالس بقرار إداري.

3- سيطرة البيروقراطية على المحليات، وإنشاء حسابات خاصة لبعض الأنشطة المحلية خارج الموازنة العامة وبعيدًا عنها؛ مما ساعد على انتشار الفساد وإهدار المال العام، فضلاً عن غياب الشفافية والمعلومات.

4- انعدام عدالة توزيع الميزانية والمخصصات بين المحافظات.

5- تدني أجور العاملين بالمحليات؛ مما شجَّع على الفساد.

6- تزوير الانتخابات التي لا تخضع للإشراف القضائي، وتمَّت تحت سيطرةٍ كاملةٍ للمحافظين؛ مما يؤدي إلى انفراد الحزب الحاكم بمقدَّرات المحليات، مع غياب الرأي الآخر للمعارضة والمستقلين والقوى السياسية؛ مما أدى إلى انفرادٍ بالرأي ساعد على مزيدٍ من تدهور الخدمات للمواطنين بالمحافظات وضياع المليارات من الجنيهات خلال العشرين عامًا الماضية.

 

وبعد..

فإننا نحن الإخوان المسلمين وقد هالنا ما سبق من تقارير رسمية تفضح الفساد الذي تحوَّل من حالات فردية إلى فساد مؤسسي ومنهجي.. سنظل نقاوم ونحارب هذا الفساد مهما بلغت التضحيات، والتي وصلت إلى مئات المعتقلين من الإخوان المسلمين من خيرة أبناء هذا الوطن من أجل الإصلاح ومحاربة الفساد.

 

ولعل في هذا إجابات على سؤال: "لماذا يدخل الإخوان المسلمون الانتخابات المعروفة نتيجتها سلفًا"، ولهذا فإننا نتطلع إلى حكمٍ محلي حقيقي يشارك فيه أبناء الوطن في إدارة شئون بلادهم دون انفرادٍ للحزب الحاكم، كما ننادي بضرورة مشاركة كل أبناء الوطن من أجل تغيير قانون الإدارة المحلية الحالي وتدعيم اللا مركزية، ونؤكَّد أننا بحاجةٍ ماسةٍ لذلك قبل أن يحدث ما لا يُحمد عقباه.

--------

* باحث في الشئون السياسية والإعلامية