يجب أن أنبِّه الشعوب العربية إلى أن الإعلام العربي والدولي يردِّد مجموعةً من المصطلحات التي يُقصد بها غير ما تشير الحقيقة إليه، ومؤدى تلك النتيجة أن هذه الشعوب تحلم بينما تكتوي بالواقع, ولذلك يجب على كبار المفكِّرين والمثقفين في العالم العربي تنوير الرأي العام في هذه المعركة الخطيرة, وهي معركة السيطرة على الوعي أو اعتقال الوعي العربي من جانب مجموعات ورسائل منظمة تهدف إلى تحقيق هذا الاعتقال، ولذلك فإن واجبنا هو تحرير العقل العربي مما يُراد أن يوضع فيه من أغلال.
وقد رصدنا عددًا من المفردات التي تستخدمها اللغة الدبلوماسية العربية والدولية والتي تنطوي على سوء النية، ومن هذه المفردات كلمة "السلام" التي تعني أمرَين مختلفَين عند العرب وعند إسرائيل؛ فهي عند العرب تعني تسوية المشكلات المعلَّقة بين "إسرائيل" والعرب تسويةً مرضيةً، أما إسرائيل التي تعاني دائمًا من عقدة المغتصب واللص فهي لا تثق في أحد, كما أنها تعتمد اعتمادًا مطلقًا على قوتها التي تستمدها من جميع مصادر القوة، وأهمها ضمان المساندة الأمريكية العمياء لكل سياساتها؛ ولذلك فإن السلام يعني تحقيق كل أهدافها ونزواتها دون أن تضطر إلى أن تقدم أي شيء إلى الجانب العربي الذي أخضعته الولايات المتحدة تمامًا لرغبات "إسرائيل"، ولذلك يشعر المواطن العربي بالحيرة؛ بسبب استخدام نفس المصطلح من الطرفين دون التوصُّل إلى حلٍّ يعكس هذا المصطلح، ويترتب على ذلك استخدام مصطلحات مرتبطة بكلمة السلام لكي تكرِّس المفهوم "الإسرائيلي" على أساس أن السلام ضد الحرب مع الدول, ولكن هذا السلام لا يمنع الأنشطة العسكرية "الإسرائيلية" ضد أي منظمة أو دولة في المنطقة.
ومن ذلك أيضًا مصطلح "ثقافة السلام", ويعني تكريس الاستسلام للمفاهيم "الإسرائيلية", و"مفاوضات السلام" وتعني الاتفاق على الاستسلام لهذه المفاهيم, و"عملية السلام" وتعني الإطار النظري الذي تجري فيه مجموعة العمليات الدبلوماسية والإعلامية والنفسية الهادفة إلى قبول الطرف العربي للشروط الإسرائيلية؛ بحيث يصبح هذا القبول أساس شرعية الإملاءات "الإسرائيلية"، وقد حفل قاموس الدبلوماسية الدولية بعدد آخر من المصطلحات منها "العنف" وتعني تمييع أي تمييز بين العدوان والاحتلال وبين المقاومة، والعنف في جوهره يعني السلوك غير القويم، وهو ضد السلم, وأدوات العنف هي وسائل القوة المسلَّحة، أما مصطلح "نبذ العنف" فيكرِّس المساواة بين العدوان الإسرائيلي والمقاومة الفلسطينية، ولكنه ينصرف مباشرةً إلى المقاومة التي تم تبسيطها فأصبحت عنفًا.
من هذه المصطلحات "العنف والعنف المضادّ" حتى يتوهَ التمييز بين المقاومة والعدوان فلا يعرف المتلقِّي من بدأ العنف ومن ردَّ بعنف مضادّ, وقد عمدت "إسرائيل" دائمًا إلى إظهار أن عنفها هو المضاد للعنف الفلسطيني.
من ذلك أيضًا المصطلح المستفز الذي تستخدمه الدبلوماسية العربية والأمم المتحدة، وهي إدانة ما تسميه "الاستخدام المفرط للقوة", وهذا يعني أن استخدام القوة كمبدأ يعدُّ أمرًا مشروعًا, ولكن المشكلة هي فقط أن قدْر القوة المستخدم يزيد عن المسموح، ورغم أن المصطلح غامض إلا أنه يثير الاشمئزاز, ولكنه متواتِرٌ في اللغة الدبلوماسية العالمية والإقليمية، وعندما يتحدث "الإسرائيليون" والأمريكيون عن السلام فإنهم يتحدثون أيضًا عن ضرورة أن تتخذ "إسرائيل" "قراراتٍ مؤلمةً" ويقصدون بها تنازلات, مع أن التنازلات لا يقدمها إلا صاحب الحق, وأن اللص الذي يسرق شيئًا عندما يرده إلى صاحبه فإنه لا يتنازل، ولذلك لا يجب أن ينخدع المواطن العربي بمصطلح القرارات المؤلمة, وهو مصطلح في نهاية المطاف يقصد به الإيهام.
ومن هذه المصطلحات أيضًا رؤية الرئيس بوش عن التسوية القائمة على وجود دولتين "إسرائيلية" وفلسطينية, وهذا المصطلح أسال لعاب العالم العربي, واعتبر بعض الكتَّاب أن هذه الرؤية تعتبر تطورًا خطيرًا في الموقف الأمريكي؛ حيث يعترف الرئيس الأمريكي لأول مرة بضرورة قيام دولة فلسطينية, وأن هذه الرؤية هي التي أدَّت إلى إصدار قرارات من مجلس الأمن, رغم أن سياسات الإدارة الأمريكية تؤدي عمليًّا إلى تمكين "إسرائيل" من التهام الأراضي الفلسطينية التي يجب أن تقوم عليها الدولة الموعودة.
وقد أثار حيرة المواطن العربي تلك المواقف المتناقضة داخل الأمم المتحدة ذاتها, وهو بالطبع مواطن بسيط ليس متخصصًا في الدراسات القانونية والسياسية؛ فمحكمة العدل الدولية تؤكد في رأيها الاستشاري في 9 يونيو 2004 على الوضع القانوني لإسرائيل وتصرفاتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة, ومع ذلك يشترك مجلس الأمن في تضليل العالم العربي وفي تدليل إسرائيل, في مناسباتٍ لا يحتملها هذا المقام, ونذكر فقط منها قرار مجلس الأمن رقم 1701 بشأن لبنان والعدوان الإسرائيلي عليه؛ حيث جعل الضحية معتديًا وجعل المعتدي الغاشم هو الضحية, وقرار مجلس الأمن الصادر بعده بأسبوعين بشأن دارفور الذي وضع السودان كله تحت وصاية القوات الدولية بذريعة تسوية المشكلة!.
وهكذا فإنه في مجال القضية الفلسطينية أدى هذا التناقض بين التصريح والفعل إلى أن المواطن العربي قد فقد الأمل في قيام دولة فلسطينية, بعد أن فقد الأمل في مصداقية هذا المصطلح، خاصةً بعد أن وافقت عليه إسرائيل وأيَّده الرأي العام الإسرائيلي في الوقت الذي صعَّدت إسرائيل سياسات الإبادة ضد الشعب الفلسطيني، ولا شك أن المفكِّرين العرب الذين يحاولون البحث عن مخرج لإنقاذ الشعب الفلسطيني قد فقدوا الأمل هم أيضًا في فرص تحقيق قيام دولة فلسطينية, وبدأوا يدرسون فكرة دولة واحدة لقوميتين, وإن كان هذا الخيار ينطوي على الاعتراف بأن اليهود قوم وليسوا مجرد أتباع ديانة, وأن هناك فرقًا أكيدًا بين الجماعات اليهودية وبين الشعب الفلسطيني.
إن الدبلوماسية الدولية تستخدم التقابل بين مصطلح "السلام" و"الإرهاب", وتقصد بذلك المقاومة على أساس أن المفهوم الإسرائيلي يجعل المقاومة هي الإرهاب، وأن المقابل لهذه المقاومة هو السلام، أي عدم المقاومة للمشروع الصهيوني.
ومن الواضح أن المقابلة بين السلام والإرهاب تنطوي في الظاهر على منطق مقبول، على أساس أن الإرهاب يقوِّض حالة السلام والاستقرار؛ ولذلك فإن الأصح في التفسير هو أن الإرهاب "الإسرائيلي" ضد الشعب الفلسطيني والشعوب العربية الأخرى هو الذي يهدر كل فرصة في الثقة وكل أمل في السلام؛ ولذلك لا بد عند الحديث عن الشرق الأوسط أن نميِّز بين السلام كما تريده إسرائيل والسلام كما يريده العالم العربي، والذي نعبر عنه بمصطلح السلام الوهمي الذي تخدِّر به "إسرائيل" المنطقة العربية, تمييزًا له عن السلام الحقيقي الذي يسعى العرب إلى إشاعته.
ومن الواضح أن الدبلوماسية الدولية تستخدم مفرداتٍ ظاهرها مقبول وباطنها مرذول, وأن المواطن العربي البسيط الذي لم يعُد يثق في المجتمع الدولي أصبح يشكُّ أيضًا في هذه المفردات حتى دون أن يطلع على مثل هذه الشروح الفكرية, ولكننا قصدنا بهذه المقالة أن ننبِّه الكتَّاب والمفكِّرين وعامة الناس إلى أن للمفردات وجهين: وجهًا ظاهرًا مقصودًا به الإيهام والتخدير, ووجهًا آخر يتعلق بالمضمون الحقيقي للمفردات, وهو يدمر المصالح العربية والحقوق الفلسطينية.
وأخيرًا فإن الإعلام العربي والدولي بدأ يستخدم اصطلاح النزاع الفلسطيني الإسرائيلي بدلاً من الصراع العربي الإسرائيلي؛ لأن الحقيقة هي أن الصراع بالمعنى الرسمي لم يعد قائمًا, وتم التعبير عن الحقيقة وهي أن الصراع الشامل قد أصبح نزاعًا بسيطًا بين شعبَين في أرض واحدة, وأنه لا دخل لأحد من العرب فيه بعد أن تحالفت الولايات المتحدة الأمريكية مع "إسرائيل" في هذا النزاع لتحقيق المشروع الصهيوني.