د. حلمي محمد القاعود

 

مجلة "فانيتي فير" نشرت خطةً للآنسة "كونداليزا رايس" لإشعال الحرب الأهلية بين الفلسطينيين؛ حتى ينتصر فريق السلطة الموالي لأمريكا والغزاة اليهود على فريق المقاومة الموالي لفلسطين والإسلام.

 

حاولت أن أجد المعنى الملائم لعنوان المجلة "فانيتي فير"، قالت المعاجم إنه يعني "دار الغرور" أو "محل البهجة" أو المظهر الشكلي، أو الشكل المظهري، لم أسترح لهذه المعاني، وإن كان المعنى الدقيق أفلت من ذهني بحكم المتاعب الصحية وكلل الذهن، وأيًّا كان الأمر فقد صارت هذه المجلة مرتبطةً بتاريخ المنطقة ومحنة القهر التي يعيشها العرب والمسلمون على مدى قرنين من الزمان منذ جاء السفّاح نابليون بحملته الدموية التي سفحت كثيرًا من الدماء الإسلامية، وتلاه خَلفُه الكاثوليكي في الجزائر وشمال إفريقيا، وخصومه الإنجليز البروتستانت في وادي النيل والرافدين والشام، ثم جاء اليهود النازيون الغزاة ليمارسوا الإبادة والتهجير في فلسطين وما حولها.

 

مجلة "فانيتي فير" نشرت خطةَ وزيرة الخارجية الأمريكية للقضاء على منظَّمة المقاومة الإسلامية "حماس" بقوة السلاح وقيادة العقيد "محمد دحلان" قائد الأمن الوقائي الفلسطيني، ولأن عناصر حماس الفاعلة موجودٌ معظمها في غزة فإن ميدان المعركة تحدَّد فيها، وهو ميدانٌ مفتوحٌ لدحلان بحكم أنه من أبناء غزة، وتعسكر قواته فيها.

 

وقد بدأت "رايس" الخطةَ عقب فوز حماس في الانتخابات التشريعية التي جرت في الضفة والقطاع عام 2006م؛ حيث رأت الخارجية الأمريكية أن "حماس" لن تتجاوب مع ما يُسمَّى خطة "الرباعية الدولية"، وهي خطةٌ تضع في بنودها الأساسية نزع سلاح المقاومة الفلسطينية واستئصال الإسلام من غزة تحت عنوان "مكافحة الإرهاب".

 

كانت الخطة حربًا قذرةً كما وصفها "ديفيد وارمسر" المستشار السابق لنائب الرئيس الأمريكي المختص بشئون ما يُسمى الشرق الأوسط، وكانت غاية الخطة تأمين النصر لديكتاتورية فتح، وانتصارها على حماس في غزة، ويُشير الرجل (وارمسر) إلى أن حماس لم تكن تهدف إلى الانقلاب على فتح أو السيطرة على غزة ولكن الأخيرة هي التي قامت بالانقلاب فأحبطته حماس قبل نجاحه، وتمَّ لها نصر لم تكن تخطط له.

 

"دحلان" رجل أمريكا المدلل في الضفة والقطاع، التقى بالرئيس بوش منفردًا ثلاث مرات، ويجد إطراءً دائمًا منه، بوصفه رجل واشنطن في السلطة الفلسطينية المحدودة.

 

كان بوش يهدف إلى إزاحة حماس من السلطة بعد نجاحها في انتخابات عام 2006م، فكانت خطة رايس السرية ليسيطر رجال فتح على غزة بشكلٍ كامل، وسُميت الخطة باسم (إيران- كونترا 2)، وتبدأ بتوحيد الأجهزة الأمنية تحت قيادة عباس، على أن يكون دحلان رجل المهمة الصعبة، ويتم التسليح بموجب تمويلٍ عربي يبلغ مليارًا وسبعين ومائتي مليون دولار (1.270 مليار)، ويقوم الجيش النازي اليهودي بوساطة مجرم الحرب وقاتل الأسرى المصريين (روح شاكيد) والمُسمّى "بنيامين بن أليعازر" بالإشراف على التدريب والتزويد بالسلاح حتى يتم سحق المقاومة الإسلامية (حماس) وانتصار فتح، وتنفيذ خطة الرباعية على الهوى الصهيوني الأمريكي! أي تصفية القضية الفلسطينية.

 

انتصار حماس كان مفاجأةً بكل المقاييس، حتى لحماس نفسها، ومع ذلك لم يتعظ عباس ولا رجاله ولا الأمريكان ولا اليهود الغزاة، وما زالوا مُصرِّين على قتلِ المقاومة الفلسطينية حتى يتحقق لهم الأمان في احتلالهم لفلسطين وسرقة مقدساتها.

 

ما نشرته مجلة "فانيتي فير"، يشير بوضوحٍ إلى أنَّ الأمريكيين أعمتهم القوة، فلم يُبصروا مواقع أرجلهم، فضلاً عن جهلهم الساطع بالتاريخ والجغرافيا، وما زالوا يعتمدون على القوةِ في إشعال النار داخل العالم الإسلامي لقهره وتفتيته وسرقة ثرواته وتراثه، سواء بآلتهم العسكرية الوحشية أو عن طريقِ عملائهم اليهود النازيين الغزاة، أو وكلائهم المحليين في أرجاء البلاد الإسلامية.

 

وإذا كانت خطة "دحلان- رايس"، قد أخفقت بانتصار حماس الذي لم تتوقعه، فإن الأمريكان لم ييأسوا، وكانت خطة "الشتاء الدافئ" التي نفَّذها "باراك"، و"أشكنا زى" أوائل مارس 2008م، بإحراق غزة وتحويلها إلى "هولوكست" أكبر، ومصرع ثلاثين ومائة فلسطيني بينهم حوالي خمسة عشر رضيعًا عدا الرجال والنساء والشيوخ الذين لا يملكون حيلة ولا يهتدون سبيلاً، ومع ذلك، فإن المقاومين الفلسطينيين دافعوا عن غزّة دفاع الأبطال الشجعان البواسل الذين أجبروا العدو على سحب دبّاباته والخروج من القطاع.

 

وكان تحريك المدمرة الأمريكية "كول" في المياه الإقليمية للبنان رسالةً إلى حماس وحزب الله والقوى المعارضة للهيمنة الأمريكية بأن القتل ينتظركم، وأننا نعمل في العلن دون الخفاء، والمسألة تجاوزت ما يُسمَّى نظرية المؤامرة إلى العدوان الفعلي المباشر لمَن شاء منكم أن يتمرَّد على السيطرة أو الإرادة الأمريكية.

 

وأعتقد أن الأمريكان، ومعهم العملاء اليهود النازيون الغزاة، سيُواصلون طريق القتل ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، ولكنهم متأكدون جيدًا أن عنصر المقاومة الوحيد المتبقي في العالم الإسلامي هو الإسلام؛ لذا يُلحون على الحكومات العربية لتغيير الإسلام ومناهج التربية الإسلامية (التي لا تدرس بطريقةٍ جادةٍ في حقيقة الأمر)؛ وذلك لإلغاء أي تأثيرٍ للإسلام في الحياةِ العامة، وحتى يطمئنوا إلى هيمنتهم الشاملة والكاملة والدائمة على الأمة الإسلامية.

 

مقابل ذلك، نجد الاهتمام غير العادي بما يُسمَّى المدارس الدينية اليهودية في فلسطين المحتلة، وقد كشفت عملية المعهد اليهودي (ماركاز هاحرف) أو مركز الحرف في القدس الغربية (6/3/2008م) عن كيفية تخريج القتلة السفّاحين، وتربيتهم تربيةً إجراميةً تعتمد على التوراة المحرّفة، والتلمود الشرير، في ظل حاخامات تمتلئ حناياهم وأعماقهم بالشرِّ والكراهيةِ والقتل والبغضاء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118)﴾ (آل عمران).

 

وبالطبع فإنَّ المدارسَ الطائفيةَ في البلاد الإسلامية الأخرى تزرع المزيدَ من الكراهيةِ والبغض للإسلام والمسلمين وفقًا لتوجيهات المتعصّبين الطائفيين والأجهزة الأمريكية؛ لذا لم يكن عجيبًا أن تقوم مدرسة الراهبات الفرنسيسكان في القاهرة بمنع الطالبات المسلمات المحجبات مؤخرًا من دخولِ المدرسة، مع أن حكمًا قضائيًّا صدر بإلزام المدرسة تنفيذ الحكم وإدخال الطالبات، ولكن لغة التحدي والاستقواء بالعدوِّ الصليبي المتوحش هي السائدة، ولا تتحدث عن المحبة والتسامح ومباركة الأعداء واللاعنين وغير ذلك من قيم التسامح، التي حوَّلها المتعصّبون الطائفيون إلى كراهيةٍ وبغضاء!.

 

ومهما يكن من أمر، فإن خطةَ رايس والشتاء الدافئ وتغيير الإسلام، لن تنجح في تحويل المسلمين عن عقيدتهم، ولن تدفعهم إلى التفريطِ في أرضهم أو مقدساتهم، ومهما كثُر العملاء في ميادين القتال، أو مجال الفكر والثقافة، فأرض الإسلام، قادرة بفضل الله على التصدي للشرِّ والأشرار، وردّ المعتدين والعدوان، وطالما بقيت الشهادة في سبيل الله غاية إسلامية، فالأمل قادم بإذنه تعالى، مع نصر الله والفتح.

---------------------

drhelmyalqaud@yahoo.com