يتساءل كثيرٌ من الناس: لماذا يصرُّ الإخوان على دخول معركةِ المحليات، في هذه الظروف المحلية والإقليمية والعالمية التي تجعل من دخول المحليات ليس مجرَّد سباحة ضد التيار، ولكنه كدخول سفينة الدعوة في عاصفةٍ تجتاح بحرًا لجيًّا فيه ظلماتٌ بعضها فوق بعض؟!
على المستوى المحلي سلسلة من الظلم والاستبداد، تدعمها تعديلات دستورية وقوانين استثنائية وحالة طوارئ لا تنتهي، وممارسات لا إنسانية؛ مداهمة المنازل، مصادرة الأرزاق، نقل تعسُّفي، استدعاءات وتهديدات، وممارسة البلطجة على المرشَّحين ومحاميهم ووكلائهم وأزواجهم وأقربائهم!!.
لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تعدَّاه إلى العدوان السافر على السلطة التشريعية والسلطة القضائية ويتبجَّحون بعد كل هذا أن النتيجة محسومة من اليوم بالتزوير، كما حُسِمَت في مجلس الشورى منذ أشهر.
يؤجَّل النطق بالحكم العسكري على شرفاء هذه الأمة؛ من علماء وأساتذة الجامعات وصحفيين، لعل هذا يثني الإخوان عن إصرارهم.
على رأس المستوى الإقليمي ما يحدث في غزة (محرقة بعد حصار) على وجه الخصوص، ثم ما يحدث في فلسطين والعراق ودارفور ولبنان وإيران.. كل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى جهود الإخوان، وفوقها جهود الأمة، بعد أن تخلَّت كل النظم عن واجباتها، واستسلم أغلبها، بل تواطأ بعضها مع الأعداء.
وعلى الساحة العالمية طغيانٌ واستكبارٌ أمريكيٌّ صهيونيٌّ، وتواطؤ أوروبي، وعجز وسلبية من الأمم المتحدة والمنظمات الدولية.. في كلِّ هذه الأجواء والعواصف يريد الإخوان أن يدخلوا المحليات!!، نعم.. عليهم أن يدخلوا المحليات بل من الضرورةِ أن يدخلوها.
وأبدأ بالساحة العالمية.. نعم هناك طغيانٌ أمريكيٌّ صهيونيٌّ، لكن هذا الطغيان واجهته الأمة بالمقاومة في فلسطين ولبنان فأذلَّت كبرياءه، وطعنت قادته ومتعصبيه، وسرى الرعب في قلوب الصهاينة، ومن خلفه الحليف الأمريكي.
وواجهته الأمة في العراق وفي أفغانستان بمقاومةٍ وإن كانت عشوائيةً، فقد آلمت المستكبر الأمريكي، كما أصبح زيف مشروع الهيمنة الأمريكية واضحًا لدى عموم الأمة، ولم ينخدع بهذا الزَّيف إلا المنتفعون، من الساسةِ وأصحاب رءوس الأموال والمفسدين، وإن بقي عجز أو غفلة في صفوفِ الأمة فواجبُ الإخوان ألا يتخلَّوا عن أمتهم.
والشعب المصري هو قلب هذه الأمة، وفي يقظته يقظة الأمة، والمحليات إحدى الوسائل العملية المهمة لمشاركة الشعب المصري في مشروعِ الإصلاح الشامل على أساس الإسلام، ولذا فمقاومة الفساد وما يترتب عليها من تضحيات واجبُ الوقت؛ ولذا كان شعار حملة المحليات الآية القرآنية: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ (هود: من الآية 88).
كما أصبح التعاون مع كلِّ مَن بقي في نفسه خير من القوى السياسية والاجتماعية والأفراد بمختلف انتماءاتهم هو الوسيلة العملية لتحقيق الواجب الشرعي ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (المائدة: من الآية 2)، ثم الوقوف ضد الفساد والمفسدين لتحقيق ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: من الآية 2).
التضحيات
بإذن الله لن تحُول التضحيات- مهما بلغت- بين الإخوان وبين تحقيق الإصلاح، وسوف يُشجِّعون عموم الناس، كلٌّ حسب طاقته.. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾؛ لأنه لا سبيلَ للإصلاح إلا بتضحيات، وسيوضِّح الإخوان للناس أن التضحيات في المحليات ليست أقلَّ شأنًا من دخولهم مجلس الشعب.
فإن يوسف عليه السلام لم يدخل السجن في قضيةٍ سياسيةٍ، ولكنه أعلن على الملأ كله كلا ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ (يوسف: من الآية 23) نعم دخل السجن لعفَّته، ثم ساق الله له الملك والخزائن لأنه حفيظٌ عليم.
وإنَّ لوطًا عليه السلام لما أحاط به قومه وهدَّدوه حتى بلغ به المقال: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ (هود: من الآية 80) ما كان كلُّ هذا إلا لأنَّ قومه يعلمون عنه الطهر والعفة.. ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (النمل: من الآية 56).
سنقول لأمتنا: لا انفصالَ بين جهاد إخواننا في فلسطين أو المقاومة في العراق أو في أفغانستان وبين مقاومة الفساد في مصر، لكلٍّ وسائلُه، ولكلٍّ تضحياته، فنحن نعلم أن تحقيق الإصلاح بالوسائل الديمقراطية- عند أمريكا وأوروبا وربما بقية العالم- هو وسيلة لإصلاح دنياهم، يسعون لتحقيقها في أوطانهم، أما في غيرها فإنهم يحاربونها إذا تعارضت مع مصالحهم، بل يتحالفون مع النظم المستبدَّة لإضعاف الشعوب ونشر الفساد فيها وخداعها بالشعارات عن حقوقِ الإنسان ونشر الديمقراطية.
فإذا كانت أمريكا عاتبت النظام المصري على بعض الممارسات، وغلَّت يد النظام عن بعض ممارساته أثناء انتخابات مجلس الشعب 2005م فإنها سكتت عنه في انتخابات الشورى 2007م، وها هي اليوم تُشجِّعه على ممارسة الإرهاب ضد الشعب المصري في انتخابات المحليات، كما تشجع العدو الصهيوني على المحرقة في غزة.
نسوق للجميع أن موقفنا في هذه الانتخابات هو موقف شعيب عليه السلام.. ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)﴾ (هود).
فإذا عزمت فتوكل على الله
ونقول لإخواننا: قرار دخول المحليات كبقيةِ قرارات الجماعة، كان له أساسه الشرعي من حيث الأدلة من الكتاب والسنة والمصالح المرسلة وغيرها من أصول الأحكام، وكانت له دراساته السياسية والإستراتيجية، وكانت له أُسُسه الإدارية من دوائر الشورى، وأستطيع أن أقول: إن قيادةَ الإخوان اتخذت هذا القرار بعد توسعة دائرة الشورى؛ لأن مَن سيتحمَّل النتائج مع قيادةِ الجماعة هم جميع الإخوان رجالاً ونساءً وشبابًا، بل حرصت القيادة أن تُراجع الإخوان في تبعاتِ هذا القرار، ولمَّا أصرَّت القواعد الإخوانية على رأيها جاء القرار واضحًا صريحًا، أعلنه فضيلة المرشد في المؤتمر الصحفي.
وعندما أثار بعض الصحفيين تساؤلاتٍ حول حسابِ التضحيات؟! ردَّ فضيلته بأنْ "نعم" نحن مستعدون لهذه التضحيات.
ولمَّا اشتدت الاعتقالات ووصلت إلى أكثر من سبعمائةِ معتقل سألت قناة "الجزيرة" النائب الأول عن أثرِ هذه الاعتقالات على قرارِ الجماعة؛ أجاب بأننا مستمرُّون حتى آخر فردٍ من الإخوان.
ومن بعدهم أصدعُ بها واضحةً قويةً للناس جميعًا، للصهاينة والأمريكان، وللنظم المستبدة التي تريد أن تُسكت كل صوتٍ للإصلاح، ولمَن يحمون الفساد ويردعون الشرفاء، ولمَن يُحاربون الناسَ في أرزاقهم، ولمَن يستعينون بالبلطجية وأرباب السوابق: لن يرهبنا كل ذلك، فنحن مصرُّون على الإصلاح.
كما أقول للمشفقين علينا من التزوير القادم وأثره على الناس ثم في نفوس الإخوان بعد بذل كل هذه الجهود وتقديم كل هذه التضحيات؛ أقول لهم: إن الإخوان بتفعيلهم للأمةِ ومشاركتهم سوف يقاومون ويفضحون هذا التزوير، وإذا غاب الإخوان عن الانتخابات فربما انخدع الناس بالنتائج أو على الأقل استكانوا لها وعادوا إلى غفلتهم وسلبيَّتهم، أما إذا شاركوا فمَن رأى ليس كمَن سمع.
أما الإخوان فأجرهم مضمون- إن شاء الله تعالى- وهو إحدى الحسنيين؛ إما بفوزٍ يُتيح لهم خدمة أمتهم ووطنهم؛ أهل قريتهم أو مدينتهم أو محافظتهم، وإما أجر مدَّخر عند الله، هم على يقينٍ به وطلب له أكثر من طلب أصحاب الدنيا للمناصب والأموال.
ثم هم سعداء برصيدٍ من تقديرِ الناس وحُبِّهم، وهو في نفوس الإخوان أغلى وأعزُّ عليهم من جاهٍ كاذبٍ أو نفعٍ زائل؛ فالإخوان إن شاء الله في سكينةٍ ورضا ما بذلوا واجتهدوا وأخلصوا؛ ولذا فإنَّ الإخوان لن تتردَّد فقد عزَمَت ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: من الآية 159).
-----------
* الأمين العام لجماعة الإخوان المسلمين.