بعضُ الناس يَبلغُون الثمانين من العمر، وهم يحتفظون بشبابهم "ما شاء الله"، وهذا الأمرُ يحدث غالبًا في حالتين:
الأولى: أن يكونوا قد نشأوا نشأةً فطريةً هانئةً بعيدةً عن المشاكل، وعن التلوُّث، وعن همِّ الليل أو غمِّ النهار، وربما مِنْ هؤلاء مَنْ رُوِيَ عنه أنه كان في الثمانين من عمره، وجلس يبكي على قارعة الطريق، فمرَّ به غلامٌ مستغربًا أن يبكيَ الشيخ علنًا أمام الناس، فقال له الغلام: ما يُبكيك يا جَدِّي؟ فقال الشيخ أبكي لأنَّ أبي ضربني! فزادت دهشةُ الغلام، وقال متسائلاً، ولماذا ضربك أبوك؟ فأجاب الشيخ: لأني أغضبت جدِّي!!.
والحالة الثانية هي أن تكونَ حياتُهم هي حياة الترف في القصور المنعّمة، كلُّ طلباتِهم مجابة، لا يَشغلُهم ما يشغل الناس، ولا يُعَكِّرُ صفوَ حياتهم ما ينغص حياة الناس.
ويبدو أن حملة الاعتقالات، التي هي بمثابة التزوير المبكِّر لانتخابات المحليات، قد فاتها أن شيوخ الإخوان ليسوا من هذَين الصِّنفين، فقد قرأتُ أنهم اعتَقَلوا مجموعةً، متوسط أعمارهم فوق السبعين، وأحدهم بلغ من العمر خمسةً وثمانين عامًا!!؛ أي أنه قد قضى ربعَ قرنٍ بعد بلوغ سن المعاش، قبل أن تُداهمَ قواتُ الأمن بيتَه، وتعتقله دون مراعاةٍ لحرمة البيت، ولا حرمة السن، ولا وقار الشيخوخة.
وهذا الأمر إن كان قد حدث، فإنه يحتمل أمرين لا ثالث لهما: إما أن المعلوماتِ الموجودةَ عند أجهزة الأمن قديمة، لم تُحَدَّثُ منذ أكثر من عشرين عامًا مثلاً، فظنوا أن المطلوب القبض عليهم هم شبابٌ في الستينات أو الخمسينات من العمر، وإما أن دوَّامةَ الظلم تعمي صاحبها، حتى عن مصلحته الخاصَّة، عندما يتحدثُ الناس عن خوف النظام من شيخٍ في الخامسة والثمانين من العمر، هو الذي يؤرِّقُ أمن النظام وينوي ترتيب خوض انتخابات المحليات، وما هي بسُبَّة، ويعاونُه في ذلك مجموعةٌ من صغارِ السنِّ "بالنسبة له طبعًا" في السبعين من العمر.
إن الدكتور رئيس مجلس الشعب هو الآن بصدد رحلةٍ خارجية، قيل إنها للدفاع عن دور مصرَ في الديمقراطية، والدفاع عن صورتها في احترام حقوق الإنسان، فهل يَغيبُ عن سيادته ما يحدثُ في بلده من اعتقالاتٍ موسَّعةٍ؛ بسبب قرب الانتخابات أو من محاكماتٍ عسكريةٍ للمدنيين أو من تزوير الانتخابات وغيرها من المظالم؟! ومع أنني لستُ من الموافقين على الشكوى خارج مصر لأيةِ مظالمَ داخليةٍ عندنا، إلا أنني أتمنَّى أن تُعطى الأولويةُ للبداية الجادَّة في القضاء على هذه المظالم داخليًّا، قبل الاهتمام بتحسين الصورة خارجيًّا، وأتمنَّى من أجهزة الأمن أن تُراجعَ سياستَها، إن لم تكن حيالَ احترام حقوق الإنسان فعلى الأقل حيالَ احترامِ حقوق كبار السنّ، التي أوصت بها الأعرافُ، وأوصى بها الإسلامُ، حتى لغير المسلمين.
--------