انتهت الانتخابات الباكستانية إلى هزيمة ساحقة لحزب الجنرال الرئيس برويز مشرف، الذي أقرَّ بخسارته للانتخابات، وكسبت أحزابُ المعارضة، وبخاصة الحزبان الرئيسيان "الشعب" و"الرابطة الإسلامية" (جناح نواز شريف)، دون حصول أحدهما على أغلبية مطلقة تتيح له الانفراد بتشكيل الحكومة.
تمت الانتخابات وسط أجواء عاصفة، ولذلك لم يكن سقوط 14 قتيلاً بالأمر الخطير في ظل التوترات التي خيَّمت على المشهد السياسي والانتخابي، بل اعتبر المراقبون ذلك نجاحًا انتخابيًّا؛ حيث لم تقُم جماعات العنف بتنفيذ تهديداتها بإفشال العملية الانتخابية.
فازت بني نطير بوتو ولكنها لم تعِش لتشهد فرحة الفوز، فجاء حزبها في المركز الأول بفرحة نغَّصها مقتلها، واتهام الحزب لجناح في الحكم بتدبير قتلها على يد الاستخبارات الباكستانية.
وكانت مفاجأة الانتخابات التي حقَّقها نواز شريف المحروم انتخابيًّا؛ مما جعله "رمَّانة الميزان" كما يقال، فلا حكومة بدون مشاركة حزبه، وسيحكم متحالفًا مع أحزاب أقلية البنجاب، أحد أهم وأكبر أقاليم الباكستان، وقد مدَّ يده إلى الذين خرجوا عليه متحالفين مع الجنرال مشرف وشقّوا حزب الرابطة الإسلامية، ويرفض بقوة أيَّ تفاهم مع الجنرال الحاكم.
جماعة "علماء الإسلام" خسرت ولم تستجب لدعوة قاضي حسين أحمد زعيم الجماعة الإسلامية بباكستان لمقاطعة الانتخابات، وقد جعلت الجماعة ومن تابعها من الأحزاب الإسلامية في مجلس العمل المتحد غايتها الأولى هي إسقاط الجنرال مشرَّف عبر الضغوط الشعبية والإجراءات القضائية، كان الإقبال على الانتخابات ضعيفًا ولم يتجاوز 40% خوفًا من العنف وخشية التزوير واستجابةً لدعوة المقاطعة.
الخاسر الأكبر هو الجنرال برويز مشرف نفسه، الذي أعدَّ المسرح لكي يستمر في الحكم أطول فترة ممكنة، وخضع للضغوط الأمريكية والأوروبية، وأجرى انتخاباتٍ نزيهةً، وحاول قبلها التحالف مع بي نظير بوتو ولم ينجح في منع عدوِّه اللدود نواز شريف من العودة إلى باكستان ليقود حزبه إلى فوزٍ لم يكن متوقَّعًا.
استثمر الجنرال الأجواء العالمية وركب موجة "الحرب على الإرهاب"، فانفرد بالسلطتين السياسية والعسكرية، وقمع أحزاب المعارضة، ونفى قادتها إلى الخارج تحت سيف الاتهام بالفساد، وهو حق يُراد به باطل، حتى انفجرت الأوضاع، وضربت الفوضى أرجاء باكستان، وأضْحَت البلاد في مهبِّ الريح، وهي التي تمتلك السلاح النووي الخطير، فكان لا بد من ممارسة الضغوط على الجنرال للتسليم بالأمر الواقع وعدم الانفراد بكل السلطات.
السؤال الآن: هل يستطيع الجنرال البقاء في موقعه بعد نتائج الانتخابات، وبعد كل ما مارسه من مؤامرات ودسائس، أسالت دماء العشرات بل المئات، كان أبرزها السيدة بوتو، التي ساقها الغرب إلى حتفها دون أية ضمانات حقيقية؟!
بعد إعلان الحزبين الكبيرين العلمانيَّين التحالف معًا لتشكيل حكومة ائتلافية بعد فوزهما بنصف مقاعد البرلمان، أصبح مصير الجنرال معلَّقًا بيد الأحزاب الصغيرة، التي يمكن أن تضيف بضعة مقاعد لتكوين كتلة الثلثين الكافية للإطاحة بالجنرال عبر تصويت برلماني وفق الإجراءات الدستورية.
هذه هي الطريقة الأولى لإلغاء نتيجة الانتخابات الرئاسية التي فاز بها الجنرال، ويتهمه السياسيون بتزويرها، وبعدم أحقيته في الترشيح لموقع الرئيس بعد إطاحته بقاضي القضاة وجماعة القضاة الإصلاحيين.
ومما يزيد من احتمالات هذه الإطاحة إصرار شريف على إنهاء "الديكتاتورية"، وفوز حزبه بنسبة كبيرة من المقاعد، وحاجة حزب الشعب إليه للحكم، ورغبة الأحزاب الصغيرة في القفز من السفينة الغارقة؛ سفينة الجنرال، بعد انهيار الحزب الذي سانده طوال السنوات السابقة إبَّان الحرب على الإرهاب وخلع الجنرال بزَّتَه العسكرية؛ مما أفقده الكثير من السلطات.
الطريقة الثانية للإطاحة بالجنرال هي عبر القنوات القضائية؛ حيث يصر شريف أيضًا على إعادة قاضي القضاة افتخار تشودري ومجموعة القضاة الإصلاحيين إلى مواقعهم، وسيؤدي ذلك إلى إعادة القضية إلى بدايتها الأولى، وهي أحقية الجنرال في منصب الرئاسة، واستحواذه على السلطة، وتغيير مواد دستورية من أجل البقاء في معركة البقاء وإعلان الطوارئ دون مستند قانوني، إذا عاد القضاة فستكون عودتهم بداية النهاية لرحلة الرحيل النهائي للجنرال مشرف.
آن للجنرال مشرف أن يرحل غير مأسوف على رحيله، فقد فشل في مواجهة الجماهير الغاضبة، وفشل في إدارة معركة البقاء في السلطة، وفشل في تحجيم قوى المعارضة العلمانية، وفشل في احتواء الأحزاب الإسلامية المعتدلة، كما فشل في مواجهة التيارات المتطرفة والمغالية مثل "طالبان باكستان" وغيرها.
ويتهمه شريكه في الحرب على الإرهاب حامد كرزاي رئيس أفغانستان بالتواطؤ مع طالبان أفغانستان لنشر الفوضى في البلد المجاور، الذي بدأت به الحرب الأمريكية على الإرهاب.
ما هو مصير الحرب الأمريكية على الإرهاب إذا رحل الجنرال مشرف عن السلطة وبدأت باكستان مرحلةً جديدةً من حياتها؟
لقد بدأ العد التنازلي للرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، الذي قاد حربًا عالميةً ضد شبح الإرهاب، وشنَّ حربَين على أفغانستان والعراق، ونشر الفوضى في باكستان ولبنان والسودان وكينيا وغيرها من بلاد العالم، وقد تساقط حلفاؤه المقرَّبون في تلك الجولات المتتالية التي لم تسفر في حقيقتها إلا عن زيادة في معدلات العنف والإرهاب.
اليوم، ومع سنة الانتخابات الأمريكية، ووجود رئيس أمريكي يعمل كبطَّة عرجاء بعد شهور قليلة، ورئيس باكستاني أصبح بالفعل بطةً عرجاء، وحكومة ائتلافية في باكستان تسبح وسط الأنواء بين شركاء متشاكسين، اضطرتهم النتائج للاتفاق المؤقت دون أجندة موحدة، وأصبح الحديث عن مستقبل الحرب على الإرهاب جادًّا، فهل يشهد العالم مع رحيل الجنرال مشرف، أشهر رموز الحرب على الإرهاب، بداية النهاية أيضًا لتلك الحرب المشئومة في تاريخ العالم المعاصر؟!
لقد أعلن الحزبان الرئيسيان التحالف لتشكيل حكومة ائتلافية بالفعل، ولم يتنازل نواز شريف عن شروطه للتحالف: إنهاء الديكتاتورية واستقلال القضاء، وهما شرطان يلخِّصان مصير الجنرال الباكستاني، الذي ليس أمامه إلا الانسحاب بطريقة مشرفة أو انتظار المصير المحتوم.