عندما سمعت وقرأت الأخبار التي تتحدَّث عن بدء موسم الاعتقالات للإخوان المسلمين انتابتني حالة من الضحك على هذا النظام المذعور؛ فأمس تم اعتقال 90 دفعةً واحدةً من عدة محافظات، ومنذ يومين تمَّ اعتقال ما يقرب من 50 آخرين، وقبلها بما يقرب من شهر تمَّ اعتقال عدة مئات بمناسبة التظاهر من أجل غزة، وعلى الرغم من حصولهم على قرارات إفراج نهائية تمَّ (تخزينهم) وإعادة اعتقالهم "لغاية ما تُفرج"!!.

 

والسبب معروف؛ فالمحليات على الأبواب، وذِكْر كلمة "إخوان" فقط كافٍ لتحويل أيِّ فرح إلى ظلام دامس، على الرغم من أن الإخوان لم يقرِّروا النزول من عدمه؛ فلقد تمَّ تفصيل الدستور، أقصد تعديله، من أجل الإخوان، وتمَّ إلغاء الإشراف القضائي على الانتخابات من أجل الإخوان، وتمَّ تعديل قانون مباشرة الحقوق السياسية من أجل الإخوان، وسيتم تعديل نظام الانتخابات والعودة لنظام القوائم أو ما يماثلها من أجل الإخوان!!.

 

وفي آخر انتخابات تمَّ إجراؤها، وهي انتخابات الشورى، أعلن الإخوان من البداية عدم نزولهم انتخابات الشورى إلا بـ20 مرشحًا فقط؛ لتوصيل رسالة للنظام المذعور أنها مشاركة وليست مغالبة، ورغم ذلك قرَّر النظام إطفاءَ النور والعمل بالمثل الشعبي "الباب اللي ييجي لك منه الإخوان سدُّه واستريح"!!.

 

فالنظام في مصر للأسف يراهن على سلبية الشعب وعلى صمته وعلى ضعفه؛ فلقد قام في انتخابات سابقة باعتقال الراغبين في الترشيح من داخل مباني مديريات الأمن، ومرَّ الأمر بسلام، واعتقل مندوبي المرشحين ووكلاءهم ليلةَ الانتخابات ومرَّت الأمور أيضًا بسلام، وحاصر اللجان ومنع الناخبين من الإدلاء بأصواتهم و(عدَّت)، وضرب القضاةَ الشرفاءَ وروَّعهم واعتدى عليهم والناس بتنسى!!.

 

خلاف ما فعله مع المرشحين في جولاتهم الانتخابية؛ من اعتقال أنصارهم، وتقطيع دعاياتهم، والقيام في انتخابات الشورى بمنع المرشحين من التقديم أصلاً، إلا عددًا محدودًا استطاع اختراق الحصار بحِيَل مختلفة والتقدُّم بالترشيح.. إذن فما الجديد في اعتقال الناخبين هذه المرة؟!

 

فبعد أن وصلنا لحالة انسداد وليس إلى حالة احتقان سياسي؛ نتيجةَ تجميد النقابات من 12 سنة، وتأميم اتحادات الطلبة، وإلغاء الانتخابات بها، وتعيين العمد والمشايخ وعمداء الكليات، والقضاء على جمعيات ومنظَّمات المجتمع المدني الفاعلة، وَجَد النظام أنه يمكن أن يفعل المزيد؛ فمزيد من التضييق لن يضرَّ، فلقد أثبتت له تقارير أجهزته الأمنية المختلفة أن هذا الشعب أليفٌ بطبعه، ومطيعٌ إلى أبعد الحدود، ويعشق من يخنقه!! فافعلوا ما تريدون معه فلن يَقول لكم إلا "هل من مزيد؟!".

 

يا سادة.. رهانكم خاسر، وتقاريركم لا تقرأ التاريخ، وإنما هي تقارير وقتية ولحظية.. عدّلوا الدستور.. أهينوا القضاء.. اعتقلوا المرشحين.. بل اعتقلوا الناخبين، ولكنكم لن تعتقلوا قلوبَ هذا الشعب التي تلعنكم وألسنته التي تفضحكم.

 

ولي سؤال أودُّ أن أتوجَّه به للسادة المحترمين الذين يشتركون في هذه العملية القذرة: ألا تخجلون من أنفسكم؟! ألا تنظرون في المرآة وترَون وجوهكم وقد خُلع من عليها برقع الحياة، وهي تعطي الأوامر وتخطط لعمليات المنع والاعتقال والتزوير في الانتخابات القادمة؟! تهتكون كل يوم سترًا جديدًا من حياء هذا الوطن وكرامته.

 

أريد أن أسألكم: أليس من حق شعب مصر أن تجريَ له انتخابات نظيفة مثل فرنسا والهند أو موريتانيا أو حتى بنجلاديش؟! كيف تبرِّرون لضمائركم ما تفعلونه من أفعال مخزية من تلفيق وتزوير وكذب وخداع؟!

 

لا تدَّعون أنكم تحمون البلد من وصول الإرهابيين للحكم؛ فأنتم تعلمون بينكم وبين أنفسكم أنها أيادٍ شريفةٌ ومتوضئةٌ، تخشى وتخاف على الوطن أكثر من أسيادكم التي ملأت جرائمُهم ومخازيهم صحفَ الحاضر والماضي؛ فليس بالتزوير والتدليس والمنع والكذب والاعتقال يُمنع وصولهم للحكم.. إنه تبرير شيطاني يزيِّن لكم حتى تعملوا وتبدعوا في غيِّكم بدون واخز من ضمير (وَتَحْسَبُوْنَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيْمٌ) (النور: من الآية 15).

 

وأخيرًا.. أقدِّم الحل السحري لهذا النظام المذعور بالنسبة لانتخابات المحليات:

عليه أن يختار بين أمرين:

الأول: أن يترك جميع المرشحين، إخوانًا وغيرهم، يخوضون انتخابات المحليات بمنتهى الحرية؛ وبذلك يعطي فرصةً جيدةً لعملية تطهير في المحليات التي وصل الفساد فيها "للرُّكَب" كما قال أحد عَرابي النظام، وبالتالي الدفع بالمئات من الوجوه والأيادي النظيفة لتحدث عملية تغيير معقولة في قطاع المحليات المهم، ولتقف مهزلة سقوط العمارات، والتي أصبحت ظاهرةً مصرية بامتياز، وتتم عملية تطوير حقيقية في الخدمات والنظافة، وسيكون النظام في النهاية هو "الكسبان" برفع المعاناة قليلاً عن كاهل المواطنين.

 

الثاني: وهو حلٌّ بدون مخاطرة أو مشقَّة أو فضائح على الفضائيات؛ من محاولات تزوير أو غيرها، وهو الحل الذي أثبت نجاحه في انتخابات اتحادات الطلبة في الجامعات هذا العام، وهو عمل الانتخابات (كده وكده) قبلها بيوم؛ بحيث لو ذهب مواطن ينتخب يوم 8 أبريل فيتم إبلاغه أنها كانت يوم 7 أبريل؛ وبذلك نمنع الاحتكاكات ويتم التزوير بهدوء وشفافية يوم 7 أبريل وبدون تصوير ومشاغبات!!.

 

أعتقد أن هذه فكرة متطابقة مع الفكر الجديد الذي ستتقدم بلادنا به!!.

ما رأيكم.. زال ظلمكم؟!

-----------

* haythamabokhalil@hotmail.com