الشهادة مقام رفيع في الإسلام يتمنَّى كل مسلم أن تنتهيَ حياته في الدنيا بها؛ ولذلك حرصت الثقافة العربية على الإعلاء من شأن الشهادة ما دام الشهداء لهم هذه المكانة العالية عند الله، ولسنا بحاجةٍ إلى بيان مكانة الشهيد في القرآن الكريم ولا بحاجةٍ أن نكرِّر الأحوال التي يصبح الإنسان فيها شهيدًا.
فالثابت أن الله وحده هو الذي يُصنِّف عباده بعد موتهم، ولا يستطيع أحدٌ أن يستدرك على الله في هذا التصنيف؛ فما دام وضع الشهيد عند الله مرتبطًا بنواياه- وهي سر مغلق بين الإنسان وخالقه- فإن تصنيف الناس يصبح لغوًا لا فائدة منه.
وقد حسمت الآية الكريمة ما أسميناه في دراسات سابقة "عقد الشهادة في القرآن الكريم" عندما أكَّدت أن الشهادة هي المقابل الذي يقدِّمه الله- تعالى- للشهيد على سبيل البيع والشراء, وضمن لهذا الشهيد مثواه في الجنة, وأكَّد هذا في قوله- تعالى- ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ ...﴾ (التوبة: من الآية 111)، كذلك دعا الحديث الشريف المؤمنين إلى الفوز بالشهادة ما دام لحياة الإنسان نهاية, ولكننا نعتقد أن هذا الحديث قد قدَّم أمثلةً فقط للشهداء ولم يشر إلى كل طوائف الشهادة؛ فقد أشار الحديث الشريف إلى عددٍ من حالات الشهادة دون حصرها عندما أشار إلى أن "مَن مات دون ماله فهو شهيد, ومَن مات دون دينه فهو شهيد, ومَن مات دون عرضه فهو شهيد".
وإذا كان الحديث الشريف قدَّم أمثلةً لحالات الشهادة, فإن الملاحظ أن هذا الحديث قد لفتنا إلى أن الشهيد يجب أن يكون مدركًا أسباب الشهادة؛ ولذلك يقع بين مفهوم الحديث والمفهوم الخاص بالشهادة لدى الأفراد الكثير من الخلط بين المفاهيم.
ومن الواضح أن الشهيد في الإسلام، سواءٌ في القرآن الكريم أو السنة، مسألةٌ محسومةٌ ليست في حاجةٍ إلى مزيدٍ من البيان.
أما في الثقافة العربية فإن الرغبةَ في الظفر بالشهادة قد دفعت إلى ترغيب الناس فيها؛ فعند الشاعر نزار قباني أن من مات فداءً للمحبوب هو شهيد, كذلك لا تخلو الأشعار والقصص والروايات العربية من التصوير الإيجابي للشهادة.
أما الجديد في هذا الباب فهو الشهادة في الخطاب السياسي العربي، وقد خضع وضع الشهيد من الناحية السياسية في العالم العربي لقواعد الصراع بين الدول العربية وبينها وبين الدول الأخرى المغتصبة للحقوق العربية, فأصبح كل مَن يقتل دفاعًا عن هذه الحقوق شهيدًا، كما أن وضع الشهيد قد استقر عند بعض الدول ولكنه يصبح عميلاً وإرهابيًّا وخائنًا عند دول أخرى، ويكفي أن ندلل على هذه الحقيقة بحالات الاغتيال السياسي التي تمَّت في المنطقة العربية, والتي نادرًا ما أجمع العالم العربي على موقف واحد بالنسبة لها.
فالرئيس السادات الذي اغتيل في إطار تقاربه مع "إسرائيل" كان- وسيظل- عند البعض خائنًا لنضال الأمة العربية, ولكنه عند البعض الآخر شهيد رأي قبل غيره، ودفع حياته ثمنًا لشجاعته، ويدلل الفريقان كل بطريقته على الآثار السلبية والإيجابية التي أحدثها السادات، ولكن السادات- قطعًا- بطل في نظر "إسرائيل" والولايات المتحدة دون خلاف بين الدولتين.
أما آخر وأحدث الأمثلة فهو اغتيال عماد مغنية القائد العسكري لحزب الله، الذي لعب دورًا رئيسيًّا في الصراع مع "إسرائيل"، وكان جديرًا به أن يكون بطلاً قوميًّا لحكومات ولشعوب العالم العربي والإسلامي, ولكن الأمر لم يكن كذلك، بل إن بعض الدول العربية اعتبرته إرهابيًّا بشكل رسمي، وحظرت تأبينه, أي حظرت مجرد ذكره بأي خير, ورفضت وصفه بالشهيد!!.
وهذا الموقف يتطلَّب الكثير من المناقشة والتأمل في أسباب التحول الجذري الذي أصاب العالم العربي.
من ناحية أخرى، فقد رفض مفتي مصر اعتبارَ غرق عددٍ من الشبان المصريين الذين ماتوا على شواطئ تركيا في محاولة للهجرة إليها هربًا من الحياة الاقتصادية في مصر، نوعًا من الشهادة، ووصف هذا الأمر أنه طمع وجشع ولا علاقةَ له بالشهادة, ولكن الرأي العام في مصر انتقد هذا الموقف انتقادًا مرًّا, واعتبره غير أخلاقي وغير منطقي من جانب المفتي, فأصدر مجمع البحوث الإسلامية قرارًا باعتبار هؤلاء الشباب من الشهداء، من الواضح أن الشهادة أصبحت صفةً يصدر بها قرار من المؤسسات الدينية والسياسية!!.
هذه صورة توضح لنا كيف ينظر الدين إلى الشهيد؟ وكيف يبدو الشهيد في ثقافة العرب وخطابهم السياسي المعاصر؟.