الصورة غير متاحة

أ. د. حلمي محمد القاعود

 

(إلى الذين اتهموني وأمثالي بكراهية الرياضة وكرة القدم!)

أنا من جيل قديم.. جيل الفناجيلي والضظوي وصالح وطارق سليم والشيخ طه وحمادة إمام ومروان وألدو وشاهين ورضا ونخلة وأبو سريع، ونوادي: الترماي والطيران والسواحل والبحرية والأوليمبي والسكة الحديد، وكان لها في زمانها شنة ورنَّة، وخاصةً حين يغلب أحدها الأهلي أو الزمالك.

 

الآن لا أعرف ولا أتابع ما يجري على ساحة الكرة؛ فبعد أن كان يسحرني صوت مصر الطيب "محمد لطيف" والسوري الفصيح "أكرم صالح"، ويطربني قلم نجيب المستكاوي البليغ، لم أعد أستريح للأصوات الخشنة التي لا تحسن النطق ولا التعبير، ولا الأقلام التي لا تتقن إلا الأساليب الركيكة؛ فتجنح إلى العامية، وتهبط إلى السوقية؛ وإن كانت تروِّج لبعض المصطلحات الفصحى بطريقة غير مباشرة وأحدثها مصطلح "الاستحواذ".

 

ومع أن أحد أبنائي "محمد القاعود" صار من أنشط محرِّري الصحافة الرياضية، ولا أقول أفضلهم لأن شهادتي فيه مجروحة؛ فما عادت الكرة تشغلني، وخاصةً بعد أن غرقتُ في مجال البحث العلمي، والكتابة في القضايا العامة، ورأيت أن اهتمام السلطة بالنشاط الرياضي دعايةً وإغداقًا هو مسألة مقصودة بغرض إلهاء المصريين عن حقوقهم في الحرية والعدل والكرامة والإنصاف، وشعبنا طيب، يرضى بكلمة تسرُّه، وحدث عابر يُفرِّج كربَه وهمَّه.

 

مساء الأحد (10/2/2008م) حاصرني الأولاد في البيت، طلبوا مني ألا أتكلَّم وألاَّ أعلِّق، بل رفضوا أن يجلسوا معي أمام الجهاز الذي أشاهد عليه المباراة النهائية في بطولة إفريقيا بين فريقنا القومي والكاميرون، وقالوا: إن تعليقاتي تجلب الهزيمة، وهم يريدون الانتصار!!.

 

قدَّرت شعورهم الجارف في تحقيق النصر بأي ثمن ولو كان في كرة القدم، ورغبتهم رغبة شعبية بامتياز شوقًا لأي نوع من النصر في أي مجال، فكثرة الهزائم في طابور الخبز، وإنفلونزا الطيور، واختفاء السماد، وبوار المحاصيل، واستئساد الاحتكار، وارتفاع الأسعار، وتأصيل الفساد وتغوُّل الاستبداد، وانتشار الفوضى والمحسوبية والوساطة.. إلخ، جعل الناس يلتمسون الفوز في أي مجال، ولو كان كرة القدم!!.

 

والحق أنني سعدت بالفوز، وفرحت حين سمعت الشباب الكبار والصغار يخرجون وينطلقون في شوارع قريتي الوادعة على شاطئ النيل، وهم يهتفون ويهلِّلون ويغنُّون ويُطبِّلون ويُزمِّرون ويرقصون؛ فرحًا وابتهاجًا بانتصار المعلم "حسن شحاتة"، وفريقه القومي على أسود "الكاميرون" في المباراة الختامية، والحصول على البطولة "من المصطلحات الجديدة في الدورة الإفريقية: الأسود، الأفيال، الجديان، الغزلان...".

 

لفت نظري في المباراة أن "حسن شحاتة" المدير الفني لفريقنا القومي ليس مستوردًا من البرتغال أو فرنسا أو إيطاليا أو إنجلترا أو غيرها، وبالطبع لا يتقاضى مرتبًا عاليًا بالدولار أو اليورو؛ مما يعني أن العقل المصري- لو أتيح له المجال- قادر على العمل والفعل والمبادأة والنصر!!.

 

ثم إن "حسن شحاتة" طول المباراة كان مشدودًا بكامل أعصابه مع حركة الكرة وحركة اللاعبين، وتركِّز عليه الكاميرا وهو يُشير إلى أفراد فريقه، ويوجِّههم إلى الأماكن الأفضل والحركة الأحسن، وكان واقفًا طوال المباراة أو معظمها، في الوقت الذي كان فيه "أتوفيستر" يجلس طوال الوقت ولا يبدو مهتمًّا كثيرًا بحركة الأسود.

 

الأهم من كل ذلك هو أداء الفريق المصري أو "منتخب الساجدين" كما أسماه بعض المعلِّقين الأجانب، كان الأداء جماعيًّا تعاونيًّا، لا مجال للاستئثار أو الاستبداد بالكرة، كل الفريق يجري ويتحرَّك ويتبادل الكرة ويُدافع ببسالة ويُهاجم بمنتهى القوة.. صحيح أن التسديد لم يتحقق في أكثر من فرصة متاحة، ولكن أفراد الفريق لم يتوانَوا في بذل الجهد والحركة المستمرة.

 

 الصورة غير متاحة

حسن شحاتة

 قدَّم اللاعبون درسًا بليغًا في إمكانية العمل الجماعي، مع تعدُّد الانتماءات والألوان والاتجاهات، وإذا كان أفراد الفريق القومي ينتمون إلى أندية مختلفة يدينون لها بالولاء أولاً، فإنهم حين دُعُوا إلى العمل باسم الوطن كله تناسَوا ولاءاتهم الضيِّقة، وتناغموا في حوار رائع بالكرة؛ جعلهم يبذلون أقصى ما لديهم دون غضاضة أو حساسية، في الجلوس على دَكَّة الاحتياطي أو النزول إلى الملعب أو التغيير في أثناء اللعب.

 

تُرى لو أن الحياة السياسية المصرية استنسخت ما فعله الفريق القومي في كوماسي، من تعاون وتفاهم وتحاور، دون إقصاءٍ أو استئصالٍ أو حصارٍ، هل كان وضْعُ البلاد يصل إلى ما وصل إليه من ضعف وتردٍّ وهوانٍ؟ هل لو كنا نطبِّق الحرية والنزاهة والشفافية في مجال الكرة وأنديتها وانتخاباتها على واقعنا السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي، كانت الأحوال تهبط إلى درك سحيق، لدرجة أن تكون دولة الغزاة، اليهود الغرباء في فلسطين المحتلة، صاحبة اليد العليا على مصر؟! ثم تتحكَّم في سيناء ولا تسمح بزيادة محدودة لمجموعة من العساكر على حدود غزة؟!!

 

لا شك أن فخامة الرئيس حسن شحاتة، رئيس جمهورية الكرة الشعبية، استطاع أن يؤلِّف بين قلوب الفريق القومي، ويوجِّهَه على تنوُّع انتماءاته إلى العمل المشترك، وفي الوقت نفسه تمكَّن من تحقيق شعبية جارفة شارك فيها كل المصريِّين، فمنحوه حبَّهم في انتخابات نزيهة شفافة؛ لأنه منحهم فرحةً غامرةً، أدخلت الدفء إلى قلوبهم في ليلة باردة من ليالي أمشير المتقلِّبة.

 

وليثق أولادي وأصدقائي بأنني لا أكره مباريات كرة القدم ولا الرياضة، فإنني أتمنَّى أن يجد الشباب المصري كله ملاعب تستوعب طاقته، وتبني جسمه، وتُهذِّب خلقه، وتحوِّله إلى طاقة فعَّالة ومنتجة ومبدعة.

 

أما ما أكرهه فهو استغلال الرياضة لإلهاء الناس عن واقعهم المرير، والإنفاق عليها من دم الشعب البائس في مغالاةٍ سفيهةٍ، مع إهمال العلم والعلماء، وإهمال سيناء بوابة الخطر على الأمن القومي، وبالمناسبة فلا يوجد في سيناء فريق كبير، ولا تتشرَّف باستضافة مباراة واحدة بين الأندية الكبرى، و"ألف مبروك" يا فخامة الرئيس حسن شحاتة، واسلمي يا مصر.

 

قاطعوا

الدنماركيون يعتدون على نبينا صلى الله عليه وسلم فقاطعوهم برًّا وبحرًا وجوًّا، لا تبيعوا لهم ولا تشتروا منهم، لا تركبوا طائراتهم ولا بواخرهم، ولا تفرغوها ولا تشحنوها..

 

امنعوا الخدمة عن الطائرات والبواخر في المطارات والموانئ، واجعلوا بضاعتهم راكدةً في مصانعهم ومزارعهم..

 

لا تحضروا مؤتمراتهم ولا تشاركوا أنشطتهم، ولا تستقبلوهم في بلادكم، ولا تتعاملوا مع صحفيِّيهم، ولا توزِّعوا صحفَهم في بلادكم..

 

لا تقبلوا دعواتهم، ولا تحتفلوا في سفاراتهم، حتى يعتذروا عن الإساءة، ويحاكموا المسئولين عن الصحف السبع عشرة! فهؤلاء الصليبيون المعتدون لا يستطيعون مجرد التشكيك في المحرقة!!.

-----------

drhelmyalqaud@yahoo.com