ستظل الرموز في حياة المسلمين بل حياة البشر لها قيمتها التي يمكن لها أن تتسبب في حساسيات قد تصل إلى حدِّ الاقتتال، فالرايات والأعلام كرموز وطنية والحجاب والصليب والقلنسوة كرموز دينية هو مما يجب الاحتراز والتحسب عند تناولهم بالقدح أو المدح، وهكذا كانت الحملة على الحجاب التي جابت الدنيا من بريطانيا إلى فرنسا إلى ألمانيا مرورًا بتركيا ذات الأغلبية المسلمة، ودولة الخلافة الأخيرة، وانتهاءً بمصر بلد الأزهر الشريف مثيرة للعجب أحيانًا، وللحزن أحيانًا أخرى!!.
فالحجاب هو فريضة إسلامية تتماشى مع دعوة الإسلام للحياء والاحتشام وغض البصر وهي بذلك مكملة لخلق وسلوك في منظومة قيمية واحدة لا تفصل بين النظرية والتطبيق، وللحجاب شروط قبل أن يكون زيًّا متى توافرت فذاك هو الزي الشرعي للمرأة احترامًا لتغير العادات، والتقاليد في الأزياء والألوان وتقديرًا لاختلاف المناخ والأجواء، وهو بذلك يسع النساء جميعًا في أي مكان وزمان.
ولعل هناك ما يبرر الحملة على الحجاب في المجتمعات الأوروبية التي وجدت في الإسلام غزوًا لمجتمعاتها دون أن تملك المنطق، والقدرة على مواجهته بصورة سلمية!! لهذا كان الموقف متعسفًا يخالف ادعاءات الغرب باحترام الحرية وحقوق الإنسان!!.
ولأنهم يرون في الحجاب رمزًا لاتجاه سياسي اختلفت المواقف حوله، ولم يعد يمثل عندهم رمزًا شرعيًّا دينيًّا فاجترءوا عليه وتعدوا على حرمته وساعدهم للأسف قوم منا أهل علم ودين أضعف موقفهم أنهم يتولون مناصب دينية حرصوا عليها، وفرطوا في قداسة الرمز ومكانته الشرعية!!.
والمؤسف هو موقف الأنظمة العربية، وبعض الأنظمة الإسلامية التي اتخذت نفس الموقف رغم اختلاف الموقع، وتباين التاريخ والمنهج فوجدنا رئيس وزراء تركيا يرسل ابنته إلى أمريكا لتتعلم الطب بحجابها لأن جامعات بلادها لا تسمح بذلك!! وجدنا طرد نائبة من البرلمان التركي فقط لأنها محجبة، ورأينا دولةً تتحرك بكافة أجهزتها كي تصادر لعبة للأطفال فقط لأنها محجبة بعد أن منعت فتياتها من دخول معاهد العلم بها أيضًا لأنها محجبة! وذلك في تونس!!
وكانت الفضيحة هذه المرة من مصر التي تعادي الحجاب فلا لقاء ولا خروج أو ظهور إعلامي للمحجبات رغم الأحكام القضائية، بل يقود بعض المحسوبين على الثقافة حملةً ضد الحجاب لمناصرة وزيرٍ لا علاقةَ له بالثقافة الإسلامية أو المعايير الإسلامية في أدائه وهو ابن الغرب الذي تربَّى فيه!! والمؤسف في هذه الحملة هو نظرة بعض المسلمين للحجاب نظرة الغرب!!
وفي ظل صراعٍ سياسي يتم التعامل مع الحجاب كأن ظهوره وعلو شأنه هو علو لاتجاه سياسي، وهو ما يمثل تبعيةً كاملةً لمنهج الغرب في عدائه ونصرته والكل يعلم أن ملايين المصريات المحجبات لا علاقةَ لهن بالعمل السياسي من قريب أو بعيد ولكن ماذا نفعل؟ فهي تعمى القلوب التي في الصدور!!
والحمد لله أن هذه الحملة قد أتت ثمارًا جيدةً على مستوى الدفاع عن الحجاب كفريضة، وظهر أن الاعتداء عليه في مصر يمثل خطًّا أحمرَ على الجميع التحسب له لو أرادوا ذلك! فلا تحسبوا هذه الهجمات شرًّا بل هي خير تثير الحماسة وتستشعر جلالة شأن الحجاب.
ولكن الذي نريد أن نؤكد عليه هو أن الحجاب رمز للخلق القويم والسلوك العفيف، وأنه وحده لا يكفي بل لا بد من أخلاق مصاحبة وسلوك كريم ومشاركة فاعلة حتى لا يظن أحد أنه نهاية الحياة الفاعلة لكل فتاة؛ فالإسلام يحافظ على الشكل الذي يحفظ للمجتمع كله عفافه وحرمته كما يهتم بالموضوع الذي به تصان الحقوق وتؤدى المهام ويعلو شأن الأمة في كل مجالات الحياة بمشاركة قوية وكريمة للنساء مع الرجال.
نقول لكل الكارهين للإسلام الذين يتولون كبر هذه الحملات من وقتٍ لآخر موتوا بغيظكم (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (الصف: من الآية 8).
---------------
* نقلاً عن موقع حماسنا