م. هيثم أبو خليل
في بلادنا المحروسة لا نفيق من صدمة إلا ويلاحقنا النظام بصدمةٍ أشد منها حتى نظل في غيبوبة دائمة؛ فبعد تعديل الدستور بالمقاس بما يناسب المستقبل لأولاد النظام وأبنائه، وتعديل قانون القضاة، وإلغاء إشرافهم على الانتخابات، ومع اعتقال المئات خلال الأسابيع الماضية نتيجةَ تورطهم في التعاطف مع غزة..!! واعتقال مئات آخرين نتيجة احتمال تفكيرهم في التعاطف مع المحليات؛ فوجئ الجميع ببعض مواد قانون الإرهاب الجديد تطل علينا والتي تسرَّبت عن عمْد أو بدون عمد ونشرتها جريدة "المصري اليوم".

وبالنظر لهذه المواد تنتاب المرء حيرةٌ شديدةٌ من جراءة النظام المصري واستبداله قانون الطوارئ الذي يجثم على صدورنا منذ 27 عامًا بقانون بشع بغيض يفتش في النوايا، ويستخدم ألفاظًا وعبارات مطَّاطة تجعل من يتكلم فقط يقع تحت طائلة التحريض، وبالتالي يحاسب جنائيًّا مثله مثل من خطَّط ودبَّر ونفَّذ!!.
بدايةً.. لم أتصور أن هناك في عام 2008 من لا يزال من ترزية القوانين يفصِّل موادَّ بهذه الصورة المباشرة غير المنطقية والتي يمكن لأي محامٍ مبتدئ أن يطعن في عدم دستوريتها، وللأسف كنت أتصور أن هذا الموضوع فرقعة صحفية، ولكن المتحدِّث الرسمي لمجلس الوزراء الدكتور مجدي راضي قال في بيانٍ له حول ما نشرته "المصري اليوم" إن مشروع قانون مكافحة الإرهاب "لم يتبلور بعد"، وما زال في طور الإعداد لدى وزارة العدل، لكن "راضي" في البيان نفسه اعترف بأن اللجنة التحضيرية انتهت من إعداد مجموعةٍ من الأفكار التي تدرسها وزارة العدل حاليًّا لصياغة نصوص مشروع القانون؛ تمهيدًا لعرضه على مجلس الوزراء.
عندما جاء التأكيد وجدت نفسي أقول مثل الإعلان التليفزيوني: "الناس دي ما بتهزرش، بس مش يا مصطفى، يا شعب"، وجادين في "تظبيط" البلد وتربيطها وتكتيفها وتوثيقها للضيف القادم؛ حتى تكون سهلةً لينةً طيِّعةً في يده!!.
تعالوا ننظر إلى بعض المواد التي تم تسريبها وندقق في استخدام الألفاظ والكلمات:
المادة الأولى من الأحكام العامة:
"يُقصد بالعمل الإرهابي كل استخدامٍ للقوة أو العنف أو التلويح باستخدامه، وكل تهديد أو ترويع أو تخويف يلجأ إليه الإرهابي أو المنظمة الإرهابية بهدف الإخلال بالنظام العام، أو تعريض سلامة المجتمع أو مصالحه أو أمنه أو أمن المجتمع الدولي للخطر، إذا كان من شأنه إيذاء الأشخاص أو ترويعهم أو تخويفهم أو إلقاء الرعب بينهم أو تعريض حياتهم أو حرياتهم أو حقوقهم العامة أو أمنهم للخطر، أو إلحاق الضرر بالبيئة أو الموارد الطبيعية أو الآثار أو بالأموال أو بالمباني أو بالأملاك العامة أو الخاصة أو احتلالها أو الاستيلاء عليها، أو منع أو عرقلة ممارسة السلطات العامة التشريعية أو التنفيذية أو القضائية أو مصالح الحكومة أو الوحدات المحلية أو البعثات الدبلوماسية والقنصلية، أو المنظمات والهيئات الإقليمية والدولية في مصر من ممارسة كل أو بعض أوجه نشاطها، أو منع أو عرقلة قيام دور العبادة أو مؤسسات ومعاهد العلم بأعمالها، أو تعطيل تطبيق أي من أحكام الدستور أو القوانين أو اللوائح، وكذلك كل سلوك يُرتكب بهدف الإضرار بالاتصالات أو بالنظم المعلوماتية أو بالنظم المالية أو البنكية أو بالاقتصاد الوطني أو بمخزون الطاقة أو بالمخزون الأمني من السلع والمواد الغذائية والمياه أو بالخدمات الطبية في الكوارث والأزمات".
وجاءت المادة الثانية لتؤكَّد على ما ورد بالمادة الأولى؛ حيث نصَّت على:
مادة (٢):
"تعتبر جريمةً إرهابيةً كل عمل إرهابي من الأعمال المنصوص عليها في المادة (١) من هذا القانون، وكل جريمة منصوص عليها فيه، وكذلك كل جريمة منصوص عليها في قانون العقوبات أو في أي قانون آخر إذا ارتُكبت بوسيلةٍ من وسائل الإرهاب بقصد تحقيق أحد أهدافه المبينة في المادة المذكورة".
مما يلي نلاحظ استخدام كلمات مثل "الإخلال بالنظام العام" و"تعريض سلامة المجتمع للخطر"، وتمت إضافة "المجتمع الدولي" بالمرة.
أما أخطر المواد على الإطلاق فهي المادة السادسة
مادة (٦):
"يعتبر التحريض على ارتكاب الجريمة الإرهابية التي لم تقع بناءً عليه جريمةً معاقبًا عليها بالعقوبات المقرَّرة لها، سواءٌ كان التحريض موجَّهًا لشخص محدد أو جماعة معينة أو كان تحريضًا عامًّا بأي وسيلة من الوسائل علنية أو غير علنية.
كما يعتبر الاتفاق على ارتكاب الجريمة الإرهابية التي لم تقع أو المساعدة فيها جريمةً معاقبًا عليها بالعقوبة المقرَّرة لها".
نترك بقية المواد جانبًا وننظر في المادة السادسة على سبيل المثال، والتي أبدى الكثير من رجال الإعلام والناشطين في حقوق الإنسان بأن هذه المادة هي أخطر مواد قانون الإرهاب؛ حيث إنها غير محدَّدة ومطَّاطة، وطالبوا بضرورة التفسير الدقيق والكامل للمادة من خلال لوائح تنظِّم المقصود بـ"التحريض"؛ حتى لا يجد الإعلامي نفسه يحاكَم مع الإرهابي بتهمة النشر والتحريض، ونفس الأمر ينطبق على المعارضين للنظام؛ فكل من يضايق النظام سيكون محرِّضًا على إثارة الفتن والقلاقل!!.
وسيتم بهذا القانون المشبوه تقنين الاستثناءات وجعل عمليات تصفية واعتقال الأفراد المشاغبين والمعارضين تتم في سهولة ويسر بلا استشكالات أو استئنافات أو طعون.
والشيء المذهل أن هناك بالفعل قانونًا موجودًا لمكافحة الإرهاب، وهو القانون رقم "97" لسنة 1992 والمسمَّى بقانون مكافحة الإرهاب، والذي تضمَّن تعديلات على قانوني العقوبات والإجراءات الجنائية، والذي أضيفت مادة لقانون العقوبات تتضمن تعريفًا شاملاً للجريمة الإرهابية وتنظيم الإرهاب؛ حيث تمَّ التوسع في تعريف الإرهاب بعبارات مطاطة، وشدَّد العقوبات على هذه الجرائم المطاطة حتى وصلت لعقوبة الإعدام لكلِّ من يدير مؤسسة أو يقوم بعمل إرهابي من شأنه الإضرار بمصالح المجتمع وترويع الآمنين.
أما بالنسبة للإجراءات الجنائية فتمَّ إدخال تعديلات كان من شأنها إعطاء الشرطة صلاحيات للقبض على الأشخاص واحتجازهم في الجرائم الإرهابية لمدة تصل إلى (7) أيام دون الإحالة إلى الجهات القضائية، ومنح القانون المزيد من الصلاحيات لأجهزة الأمن، وحدَّ بشكلٍ واضحٍ من الضمانات القانونية والقضائية للمواطنين، وفرض مزيدًا من القيود على حرية الرأي والتعبير، كما قلَّص هامش المشروعية الذي تتحرك في إطاره الفعاليات الحزبية والسياسية في مصر.
فهذا القانون أسهم في إرساء وتعزيز ترسانة قوانين القهر، بالإضافة إلى ما يتضمَّنه القانون من نصوصٍ تتعارض مع المادتين (6) و(15) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
والواضح- والله أعلم- أن النظام المصري قد يكون (نسي) أن هناك قانونًا مطبَّقًا بالفعل، أو أن رغبته في عمل قانون جديد (عمولة) جعلته ينقلب على هذا القانون القديم!!.
المهم في الأمر هو أن النظام المصري أصبح لا ينظر في المرآة والحمد لله؛ فهو يسن قوانين تصلح للعصور الوسطى وليست للقرن الحادي والعشرين، متصوِّرًا أن الناس هم الناس، وأن الجميع يغرق في سلبية وصمت مطبقَين.
وأنا أزعم أن مثل هذه القوانين ستجعل الشعب المصري أكثر فهمًا ووعيًا بما يفعله النظام به وبمدى استهتاره بحريته وبمقدراته؛ فالظلم هذه المرة شديد، وقد حيك برعونة مذهلة.
وعليه، وحتى لا نقع تحت بند التحريض أنصح السادة القرَّاء أن لا يتفوَّه أحد منا من الآن بكلمة (كده) أو (كده)، مثل أن يقول الواحد منا في ساعة غضب لزملائه في العمل: "دي عيشة تقصِّر العمر"، وأن تحترس الزوجات فعندما تقول زوجه لزوجها: "قوم اضرب (العيال).. لا يريدون المذاكرة"؛ فهؤلاء سيقعون تحت طائلة قانون الإرهاب الجديد طبقًا للمادة الأولى والسادسة؛ فالأول بثَّ الرعب في قلوب زملائه بأن العيشة تقصر العمر،
والثانية تحرِّض على ترويع (العيال) الآمنين!!.
----------