مِمَّا يؤسفُ له في بلدنا الحبيب مصر أن شهادةَ الزور التي أُلحِقت في الحديث الشريف بأكبر الكبائر، وحذَّر منها الرسول- عليه الصلاة والسلام- بلهجة الإشفاق والتنبيه وتأكيد النهي: "ألا وشهادة الزور.. ألا وقول الزور"، وظلَّ يُكرِّرُها حرصًا على أمَّته حتى أشفق عليه الصحابةُ من حوله.

 

هذه الشهادة التي كانت تأتي من آحاد الناس ليأخذَ من جاره قيراطَ أرضٍ ظلمًا صارت تأتي من أجهزة النظام لاغتصاب إرادة الناس بغيًا وعدوانًا.

 

وحين تُزَوَّرُ إرادةُ الناس فالبلاءُ أعظم بكثيرٍ من ضياع قيراطِ أرضٍ؛ حيث يأتي إلى مراكز التأثير في البلد مَنْ يُمَرِّرُ القوانين والقرارات، ويُضَيِّعُ الحقوق والأمانات، ويُفَرِّطُ في الأصول والمليارات، ويكون رائدُه الأساسيُّ مصلحتَه الخاصَّة وليس له من المصلحة العامة إلا التمسُّح والشعارات.

 

وكان الذي يُزَوِّر ليَضُمَّ  قيراطًا إلى أرضه يُخفي هذا ويُنكِرُه ويستحي منه، وربما ظلَّ يشعرُ بوخز الضمير، ولكنَّ الأمرَ يتمُّ الآن علنًا؛ فهذه انتخابات المحليات.. فور صدور قرار السيد رئيس الجمهورية بتحديد موعدها تتمُّ الاعتقالات في صفوف جماعة الإخوان على شرف هذه الانتخابات، ويعرف الناس كلُّهم- تصريحًا دون تلميحٍ- أن هذه الاعتقالات هي بسبب هذه الانتخابات.

 

ويتبارى القائمون على الأمن في المحافظات في المزايدة على أعداد المعتقلين كلٌّ في محافظته؛ فهو ليس أقلَّ من مثيله في المحافظات الأخرى!!.

 

وسواء أأيَّدْنا أم عارضنا، أو تعاطفنا أم تباعدنا عن هذه الجماعة، فلا شكَّ أننا نُنكِرُ هذه الاعتقالات التي هي بمثابة التزوير المبكر أو التزوير من المنبع في الانتخابات القادمة، وكما أن للسفر سبعَ فوائد فقد أصبح أيضًا في بلدنا للتزوير سبعُ مراحل وجدناها في انتخابات الشورى الماضية، وها هي بوادر تكرارها في الانتخابات القادمة.

 

وهذه المراحل السبع هي:

1- تبكير الاعتقالات: في صفوف الإخوان لمن يُتَوَسَّمُ فيهم الترشيح أو المساندة أو التأييد من قريبٍ أو من بعيد.

 

2- تعقيد الإجراءات: لطلبات الترشيح والتدقيق فيها، ثم استبعاد طلبات الراغبين في الترشيح من الجماعة وقبول ما سواها.

 

3- منع الجولات: الخاصة بمَن أفلت من الحواجز السابقة، ويريد أن يقابلَ جمهورَ الناخبين ويُعَرِّفُهم بنفسه.

 

4- تمزيق اللافتات: الخاصة بالدعاية لهؤلاء المرشحين دون غيرهم، سواء أتضمَّنت ما يظنونه شعارًا دينيًّا أم لم تتضمن.

 

5- حصار المقرات: التي بها شعبية لهؤلاء المرشحين، وغلق "المعابر" أمام الراغبين في الإدلاء بأصواتهم يوم الانتخاب.

 

6- تسويد البطاقات: لصالح المَرْضِيِّ عنهم؛ وهذا في غيبة الإشراف القضائي في ظِلِّ   التشويهات الدستورية الأخيرة.

 

7- تغيير النتيجة: وتلك هي المرحلة الأخيرة إن أفلت مرشح الإخوان من المراحل السابقة، وقلَّما يفلت.

 

وأعتقد أن شيوعَ أمر التزوير وشهادة الزور بهذه السهولة وبهذه اللامبالاة هو أمرٌ ليس خاصًّا بالتضييق على جماعة الإخوان فقط، وإنما هو جُرمٌ كبيرٌ، بل من أكبر الكبائر في حقِّ مَن يأمرُ به أو يُنَفِّذُهٌ أو مَن يرضى به، وهو أيضًا تقصيرٌ كبيرٌ في حقِّ مَن يسكتُ عنه أو مَن لا يحاول التحذير منه ولو بالكلمة أو المشاركة الإيجابية وقت الانتخابات.

 

كما أزعم أن كلَّ المفاسد التي نشكو منها في بلدنا مردُّها وأساسها حماية شهادة الزور والسكوت عنها؛ لأنها تؤدي إلى توليةِ الأقلِّ كفاءةً أو الأقلِّ أمانةً في كل المراكز والمناصب، وهذا كفيلٌ باستشراء الفساد بقصدٍ أو بدون قصد.

 

كما أزعم أن أسرعَ وسيلةٍ للإصلاح في بلدنا الحبيب مصر هي القضاء على أكبر الكبائر فيها، وهي شهادة الزور، أو- على الأقل- تتبعها وملاحقتها، وليس التبرير لها وحمايتها.

 

وأظن أن كثيرًا من القائمين على تنفيذ مراحل التزوير السبعة السابقة لهم- بلا شك- ضمائرُ تؤرِّقُهم عندما يشاركون في هذا الإثم، ولكن ربَّما يعمد البعض منهم إلى تسكين ضميره ببعض التبريرات، ومنها أنه ينفذ الأوامر، أو أنَّ هذه الجماعة محظورةٌ فيجوز في حقِّها التزوير والحبس والاعتقال وغيره، وأهمس لهذه الضمائر المؤرَّقة بأنِّ هذه مغالطاتٌ لا تبريرات، وإلا فجهِّزْ من الآن ما تقوله لربك يوم تلقاه عن جواز ارتكاب أكبر الكبائر؛ لأنك قد أُمرتَ به، ثم جهِّزْ أيضًا صورةً من شهادة الحظر التي تُبيح إفساد مصرَ كلِّها بشهادة الزور بحجة التضييق على جماعة الإخوان.

-------------

* ahmadbelals@yahoo.com