بمجرد انتهاء المباراة النهائية لبطولة الأمم الإفريقية وإعلان فوز مصر بكأس الأمم الإفريقية للمرة السادسة في تاريخها بعد تغلبها على الكاميرون في النهائي، احتشدت شوارع مصر من شرقها لغربها وشمالها وجنوبها بالجماهير التي تحمل أعلامًا مصرية؛ تعبيرًا عن فرحتها بفوز مصر.

 

وقد كان خروج الجماهير تلقائيًّا وطبيعيًّا حينما آمن أن بداخله شيئًا حقيقيًّا لا بد أن يُعبِّر عنه في تجمعات، ولم تتذكر الجماهير التي خرجت أنها ستواجه أي تعسفٍ أمني ولا اتهاماتٍ بمحاولة التخريب أو الانقلاب على السلطة، بل لا أبالغ حينما أقول إنها خرجت ولم تخشَ من أي وجودٍ أمني ستمر عليه.

 

ولن نريد أن نطهر أنفسنا من عدم قدرتنا على تحريك الشارع المصري بالقفز فوق أشياء اصطنعناها تدور في فلك أن التعبير عن انتصاراتِ الرياضة من المسموح به أمنيًّا، وأنها تأتي في إطار تغييبِ المجتمع عن مشاكله مع أن الرياضةَ جزءٌ من التنمية الشاملة لأي دولة وأي مجتمع.

 

أعتقد أننا نسينا أمرًا مهمًّا في مفهوم حركة الشعوب، وكيف تكون هذه الحركة؟ ومَن المسئول عن حركتها؟.. إذ إن حركةَ الشارع المصري جاءت بعد إيمانٍ عميقٍ بأهمية الخروج التلقائي الذي قادته الشباب- وأكرر قادته الشباب- للتعبير عن فرحةٍ وربما يتصور البعض أن التحركَ المصري في الشارع نابع من صورة ذهنية ترسَّخت في الشعب المصري بأن كل المجتمعاتِ عقب كل انتصارات فرقها تخرج معبرةً عن هذه الفرحة، ولكن في نفس اللحظة الشعوب الغربية تخرج أيضًا للمطالبةِ بحقوقها في إطارٍ سلمي ربما استمرَّ لأيامٍ وأسقط أنظمةً وحكوماتٍ!!.

 

ولكن يُطرَح السؤال المهم متى يتحرك الشارع المصري مع همومه ومشاكله مدافعًا عن حقه، ومعبرًا في إطارٍ سلمي بأهمية أن ينال هذه الحقوق، كما رأينا في خروجه التلقائي ليعبر عن فرحةٍ بنصر جاء لمصر وسط مآسي عديدة تسبب فيها النظام الحاكم؟؟!!.

 

ومن هنا لا بد أن يعي الشارع المصري جيدًا متى يتحرك، ولا أقصد هنا تحرك فئة بعينها أو جماعة لن تحركاتها مهما بلغت فلن تكون دافعة لتغيير مرحلي، وإنما أقصد تغيير المجموع الذي يبدأ بالفرد.. وهنا يحق لي أن أنقض أن أي تحركٍ لجماعة أو فئةٍ بدون تحركٍ شعبي واضح مآله إلى لا شيء، وهذا ما يُسعد النظام ويزيد من فداحة الضريبة.

 

وقد كانت مآسي غزة الأخيرة معبرة عن هذا رغم أهمية الحركة وعملها الجبهوي على مستوى النظرية، ولكنها لم تلمس الشارع المصري بعمقٍ على مستوى التطبيق.

 

مَن يرد أن يتحرك مع الشارع المصري ويهيئه للحظة الخروج السلمي لنيل الحقوق فعليه أن يهيئه أن يؤمن بعدالة حقوقه والتضحيةِ من أجلها والعمل في سبيلها من أجل أن يخرج تلقائيًّا متى برز له المخلص والمنقذ، وهو موجود في عملٍ جبهوي مستمر واضح الأهداف والمراحل، وينطلق في عمق فكر الشعب المصري ووعيه!!.