حضرتُ جنازته ودموعي أحبسها خلف جدران عيوني، وشاهدتُ ألوان الطيف السياسي الكبير الذي حضر جنازته.. هو الكاتب الراحل مجدي مهنا، لأردد في نفسي أننا أمام كاتبٍ اتفق الجميع عليه.

 

ففي حياته كانت مصر كلها تتابعه وتنتظر مقالاته وتتابع برنامجه، كان يشترك في التليفزيون الرسمي والجريدة المستقلة والفضائية الحرة، وكان يقرأ له الإخواني كما يقرأ له الحزب الوطني، مثل الوفدي والتجمعي والناصري، وكان الجميع في شغفٍ لرصد مواقفه الصادقة والمخلصة حتى لو اختلفوا معها.

 

ومن ناحيتي كنت شغوفًا بمتابعة مواقفه، خاصةً التي خاضها ضد تعسف وزارة الداخلية والاستهانة بالمواطن وعدم انصياع النظام الحاكم لمطالب العدالة والحرية، وكنت أحسبه أمامي- ولا زلت- نموذجًا للكاتب المستقل الذي يحافظ على شرف الكلمة وارتباطه بهموم المجتمع المصري.

 

وفي مماته تابعتُ جنازته وحضرتُها وصليتُ خلف الإمام داعيًا له بالرحمة والمغفرة ودخول جنة الرحمن، وأنزل السكينةَ في قلبي هذا التجمعُ الكبيرُ في جنازته من رموز المجتمع الذي رأيتُه عقِبَ خروجه من مسجد عمر مكرم إلى مثواه بمقابر العائلة بالدقهلية.

 

ودعني أذكر لكم من حضر الجنازة: فضيلة الأستاذ محمد مهدي عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين، د. عبد المنعم أبو الفتوح، د. عصام العريان، د. جمال عبد السلام، صلاح عبد المقصود وكيل نقابة الصحفيين، والمستشاران محمود الخصيري وزكريا عبد العزيز، والوزراء: فاروق حسني، مفيد شهاب، حمدي زقزوق، السيد صفوت الشريف رئيس مجلس الشورى، واللواء صلاح النويشي مندوب الرئاسة، وجمال مبارك أمين سياسات الحزب الحاكم، وزكريا عزمي رئيس ديوان رئيس الجمهورية، ومحمود أباظة رئيس حزب الوفد، ورفعت السعيد رئيس حزب التجمع، وجلال عارف، وإبراهيم نافع، وأسامة سرايا، ومصطفى بكري، ود. محمد أبو الغار، وصلاح السعدني، والسيد ياسين، وجمال الشاعر.

 

لقد كان مجدي مهنا قلمًا صادقًا في عصرٍ قلَّ فيه الصدق، وقلمًا مخلصًا في عهدٍ تحكَّم فيه المنافقون المرابطون على باب السلطان والوزير وقلمًا شريفًا وضميرًا يقظًا في وطنٍ لافتاته مكتوبة بلا ضمير!!.

 

ويبدو أنه رحل قبل أن يجيبَه أحدٌ من النظام الحاكم على سؤالٍ طرحه في إحدى مقالاته حين قال: "طرحت سؤالاً: ما هي الوطنية؟ ولم أكن أقصد به أن ندخل في تعريفات نظرية حول مفهوم الوطنية، وماذا يعني الوطن بالنسبة لكل مصري، وكل الكلام الإنشائي الذي تعلَّمناه وسمعنا عنه في كتب التربية الوطنية.

 

هدفي من السؤال هو الذهاب إلى أبعد من النصوص والتعبيرات الإنشائية، وهذا اللغو الذي يتردَّد على ألسنة البعض، حتى ولو وردت هذه النصوص في قوانين ودساتير، فما هي قيمتها إذا لم تطبق وإذا لم تتحوَّل إلى واقعٍ حي يعيشه ويلمسه كل مواطن؟!.

 

هل الوطنية تعني مثلاً أن يحكمنا حزب واحد ٢٥ عامًا؟! هل هي أن يجلس رئيس جمهورية على مقعده طوال ما يزيد على ربع قرن من الزمان؟! وأن يحكمنا- كما قال الرئيس مبارك- حتى آخر نبضة قلب؟!.

 

هل الوطنية هي في الطريقة التي تمَّ بها تعديل مواد الدستور مؤخرًا؟! هل هي في تعطيل المواد ٤١ و٤٤ و٤٥ من الدستور المتعلقة بالحريات بعد التعديل الذي أُدخل على المادة ١٧٩ من الدستور الخاصة بمكافحة الإرهاب؟!.

 

هل الوطنية هي بقاء المسئول في منصبه عشرين أو ثلاثين عامًا أو حتى يلفظ أنفاسه أيهما أقرب؟! هل الوطنية في انتشار الفساد بصورةٍ غير مسبوقة في تاريخ مصر الحديث؟! هل هي في عدم احترام أحكام القضاء المتعلَّقة بالمعتقلين السياسيين؟! هل الوطنية أن تستمر حالة الطوارئ أكثر من ٥٠ عامًا متصلة؟! هل هي أن يحتفظ رئيس الجمهورية بأكثر من ٨٠% من سلطات الدولة؟!

 

ما هي الوطنية؟..

هل هي في أحزاب ضعيفة وهشة يحرِّكها الأمين العام للحزب الوطني كما يشاء؟! هل هي ما يفعله الدكتور فتحي سرور في مجلس الشعب بالموافقة على كل طلبات الحكومة والحزب الوطني حتى ولو تعارضت مع الصالح العام؟! هل هي في إصدار تشريعات بعيدة كل البعد عن الواقع الاجتماعي ولا تعبِّر عن مصالح المواطنين؟!.

 

هل الوطنية هي في الدور الذي يلعبه الدكتور مفيد شهاب وزير الشئون البرلمانية؟! أم في الدور الذي يلعبه المهندس أحمد عز إلى جانب جمال مبارك؟!.

 

ما هي الوطنية؟..

هل هي المضي قدمًا في سيناريو وصول جمال مبارك إلى مقعد الرئاسة؟! هل هي في الطريقة التي جرى بها تعديل المادة ٧٦ من الدستور التي تقصر حق الترشح على منصب رئيس الجمهورية من الناحية الفعلية على مرشح الحزب الوطني؟!.

 

هل هي في بقاء صيغة العمال والفلاحين في المجالس النيابية؟! هل هي في إصابة الملايين من المصريين بالفيروسات والأورام الفتاكة؟!.

 

قولوا لي: ما هي الوطنية؟.

إذا كانت هي كل ما سبق فملعونةٌ هي الوطنية، ولا بارك الله فيها؛ فهي والخيانة سواءٌ؛ لا فرقَ بين هذا النوع من الوطنية وبين الخيانة؛ فكلاهما خطر على حاضر ومستقبل بلاده.
الوطنية تحوَّلت إلى كلمة سيئة السمعة يستفيد منها المتاجرون بها على مدى ٢٥ عامًا من الحكم.

 

ما هي الوطنية؟".

انتهى كلامه قبل أن يجيب أحدٌ.

رحمه الله رحمةً واسعةً، وأسكنه فسيح جناته مع الصديقين وحسن أولئك رفيقًا.
وننتظر من نساء مصر الآلاف من مجدي مهنا؛ عسى الله أن يعوِّض مصر عنه خيرًا، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: إنا لله وإنا إليه راجعون، ولله ما أخذ ولله ما أعطى، وكل شيء عنده بحساب.