م. هيثم أبو خليل

 

من عظمة الإسلام أن التعزير والحدود فيه أخذت أشكالاً من القصاص والعقوبات السريعة والفعَّالة التي تحدُّ من الجرائم وتقضي عليها، قبل أن تتحول لظاهرة وما يلبث أن يستمرئها الناس، وبالتالي تصبح بعض الجرائم في مجتمعاتنا، مثل بيع المخدرات والتحرش بالفتيات، من باب العادات اليومية المألوفة.

 

ولو نظرنا لكتاب مثل (التشريع الجنائي في الإسلام ومقارنته بالقوانين الوضعية) للشهيد الفذّ عبد القادر عودة، سنجد بيانًا لحكمة الحدود والتعزير في الإسلام، وحكمة عدم التوسع في عقوبات الحبس والاعتقال في الإسلام، نجد مثلاً: عقاب الزاني غير المحصن (الأعزب) بالجلد والتغريب لحكمة؛ فالدافع الذي يدفع الجاني إلى الزنا هو اشتهاء اللذة والاستمتاع بالنشوة التي تصحبها والدافع الوحيد الذي يصرف الإنسان عن اللذة هو الألم، ولا يمكن أن يستمتع الإنسان بنشوة اللذة إذا تذوق مسَّ العذاب، وهو ما يحقِّقه الجلد بمئة جلدة؛ فالجلد ليس عقوبة اعتباطية للزنا، وإنما هو موضوع على أساس من طبيعة الإنسان وفهم لنفسيته وعقله.

 

والتغريب فيه فوائد:

1- إبعاد المجرم عن مكان الجريمة لينساها.

2- إبعاده عن مضايقات الناس من قطع الرزق والإهانة والتحقير.

3- معاقبته لبعده عن وطنه.

 

والمحصن إذا زنى يدل ذلك على شدة مرض الشهوة في القلب؛ فلا بد من عقاب فيه من قوة الألم وشدة العذاب ما يمنعه من الزنا، وهو أيضًا مثل سيئ لغيره فلا يستحق البقاء، ويستكثر البعض عقوبة الزنا ولو وجد أحدهم مع امرأته رجلاً لقتله.

 

عقوبة الزنا في القوانين الوضعية هي الحبس، وهي عقوبة لا تؤلم الزاني إيلامًا يحمله على هجر اللذة التي يتوقَّعها من وراء الجريمة، ولا تثير فيه من العوامل النفسية المضادة ما يصرف العوامل النفسية الداعية الجريمة أو يكبتها، وقد أدت عقوبة الحبس إلى إشاعة الفساد والفاحشة، وأكثر الناس الذين يمسكون عن الزنا لا تصرفهم عنه هذه العقوبة، وإنما يمسكهم عنه الدين والخلق الفاضل.

 

وضرب الشهيد عبد القادر عودة مثالاً آخر، وهو عقوبة السرقة:

فالسرقة تعاقب الشريعة عليها بالقطع من مفصل الكف والرِّجل اليسرى في المرة الثانية، والدافع في نفس الإنسان إلى السرقة هو طلب زيادة الثراء، فعاقبته الشريعة بقطع يده؛ لأن قطع يده والرِّجل يؤدي إلى نقص الكسب؛ لأن اليد والرجل هما أداة العمل.

 

أما في القانون: فالعقوبة هي الحبس وهي عقوبة فاشلة؛ لأنها لا تحول بينه وبين الكسب إلا مدة الحبس، وإذا خرج استطاع أن يعمل ويكسب، وربما خدع الناس وظهر لهم بمظهر الشريف مع ما فيه من ضياع لأسرته.

 

عدَّد الشهيد عبد القادر عودة عيوب التوسع في استخدام عقوبة الحبس وقال: في الحبس عيوب كثيرة منها:

1- إرهاق خزانة الدولة.

2- تعطيل الإنتاج بحبس الأيدي العاملة.

3- إفساد المحبوسين بعضهم لبعض.

4- انعدام قوة الردع عن الجريمة.

5- قتل الشعور بالمسئولية وتحبيب التعطُّل إليهم.

6- ازدياد سلطان المجرمين لاستغلاله الجريمة السابقة في إرهاب الناس.

7- انخفاض المستوى الأخلاقي والصحي للمساجين.

 

كل ما سبق أردت به توضيح موضوع مهم، وهو إذا كان الإسلام لم يتوسع في أحكامه وفي حدوده في عقوبات سالبة للحرية لمن يرتكب الكثير من الجرائم ما بين قتل وسرقة وزنا.. أو حتى في العديد من المخالفات التي تقتضي تعزيرًا وليس إقامة حد، فلماذا هذا التوسع الرهيب في عقوبة الحبس والاعتقال في أوطاننا العربية والتي يَدين غالبيةُ شعوبها بالإسلام، والمؤسف أن هناك الآلاف ممن توقع عليهم هذه العقوبة، من سجناء الرأي الشرفاء الأسوياء الذين لا ذنب لهم ولا جريرة إلا الاختلاف في الرأي مع الأنظمة الحاكمة أو مقاومة الظلم والفساد الموجود في بلادنا العربية بكثرة.

 

نتكلم عن نخب وصفوة المجتمعات العربية الشرفاء الأحرار الذين رفضوا الخنوع والصمت عن جرائم الأنظمة، فكان عقابهم مريعًا مرعبًا، وهو حرمانهم من الحرية التي كرَّسوا ونذَروا حياتهم للمطالبة بها لشعوبهم ولبلادهم.

 

يا لها من قسوة مفرطة في أن تحبس الطير الحر الشامخ الأبيّ خلف زنزانة حقيرة باردة سوداء، يأكل أسوأ طعام، وينام على أرض صلبة قاسية!! والسجون في أوطاننا العربية، خاصةً لسجناء الرأي، مأساةٌ تتنوَّع ما بين أقبية تحت الأرض في دول الخليج الثرية وسراديب لشيطان وبوابة سوداء في مصرنا الحبيبة، كما وصفها الكاتب الرائع أحمد رائف عندما كتب عن تاريخ السجون وما حدث فيها في بلادنا؛ فالأنظمة العربية مذعورة لمن يخالفها أو يعترض على سياستها، فتعامله معاملةً لا تعاملها لألدِّ أعداء الوطن من الصهاينة أو حتى للشيطان لو تم اعتقاله خطأً في بلادهم!!.

 

حرمان من الشمس والهواء النقي والطعام الطبيعي والنوم المريح وقضاء الوطر مع الزوجة وأنس الأولاد والأهل، كثيرًا كنت أتعجَّب لماذا هذه الإهانة والعذاب للسجناء كافةً والرأي خاصةً؟ ولماذا أصبحت السجون أماكن تفريخ وتبادل خبرات للإجرام بدلاً من أن تكون أماكن إصلاح!!، هل تعلمون يا سادة أن جميع طرق تعاطي المخدرات في بلادنا طبقًا لتصريحات المتخصصين كلها بدأت واستحدثت خلف جدران السجون!!.

 

انظروا يا سادة لجميع دول العالم التي بدأت تستبدل عقوبات الحبس بالخدمة العامة، وإذا كان لا بد ففي أجواء فيها أبسط قواعد الإنسانية.

 

وأتساءل: ماذا تستفيد العدالة لو سجن عشرات المساجين في زنزانة ضيقة سيئة التهوية ودورة المياه تَسَع شخصًا بصعوبة وبدون باب (هل لترسيخ الشذوذ..!!) ولا يوجد فيها (دش) ولكن حنفية مياه علي ارتفاع 20سم فقط من الأرض.. لماذا كل هذا الإذلال والإهانة لبني البشر؟!

 

يا سادة.. نطالب بالنظر في عقوبات الحبس لكافة السجناء ولسجناء الرأي خاصةً، فسلبياتها ثقيلة وكثيرة، ناهيك عن الأضرار الجسيمة المتعدية لأُسَر وأهالي المسجونين والمعتقلين؛ نتيجة غيابهم خلف الأسوار.

 

وأتعجب مرةً أخرى: لماذا في أوطاننا العربية خاصةً نقسو على بني جلدتنا، نروّعهم ونهينهم ونذلّهم وكأن المسئولين في بلادنا يستمتعون بعذابنا خارج الأسوار وخلف الأسوار؟!

 

كنت أتمنى في نهاية المقال أن أطالب الأنظمة العربية بالنظر في أحكام التشريع الجنائي في الإسلام وتطبيق أحكامه، ولكن هل من يحبس أبناءه ويعتقلهم بدم بارد ويغيِّبهم بالسنين خلف الأسوار يعرف عن أحكام الإسلام شيئًا؟!

 

عمومًا لا نملك إلا أن نقدم النصح مرةً ومرات.. لعل وعسى..

 

فهو نداء..

 

أغلقوا البوابة السوداء المفتوحة على البحري لأبناء الوطن..

 

بدلاً من حبسهم واعتقالهم.. كرِّموا الشرفاء من سجناء الرأي وقوِّموا المنحرفين من الجنائيين حتى نشعر أننا نعيش في وطن وليس خلف بوابة سوداء كبيرة بحجم الوطن!!.

----------

haythamabokhalil@hotmail.com