د. جمال نصار

في 7 من فبراير عام 2007 صدر قرار من رئاسة الجمهورية بإحالة 40 من قيادات وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين إلى القضاء العسكري، وكان هؤلاء- ومن بينهم المهندس خيرت الشاطر (النائب الثاني للمرشد العام للجماعة)- قد أُلقي القبض عليهم عقب العرض الرياضي، الذي قام به طلابُ جامعة الأزهر المنتمون للإخوان المسلمين في ديسمبر 2006، واتهمتهم نيابة أمن الدولة- زورًا- بالقيام بنشاط مضرٍّ بأمن الدولة، والتخطيط لقلب نظام الحكم بالقوة، والعمل على زعزعة استقرار البلاد، وغسيل الأموال، وأمرت بحبسهم على ذمة التحقيق، وفي 29 يناير 2007 أمرت محكمة جنايات القاهرة محكمة أمن الدولة العليا بالإفراج عنهم جميعًا، فصدر قرارُ الحاكم العسكري باعتقال المفرج عنهم.
والمراقبون الدوليون ومنظمات حقوق الإنسان يقرُّون بأن المحاكمات العسكرية للإخوان غير قانونية للأسباب الآتية:
1- أحكامها لا تخضع لإشراف محكمة عُليا تراقب سلامة تطبيقها للقانون، بل تخضع أحكامها الحضورية والغيابية لسلطة التصديق، وهي لرئيس الجمهورية بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، وله أن ينيب أحد الضباط في ذلك.
2- يخضع القضاء العسكري لكلِّ الأنظمة المنصوص عليها من قوانين الخدمة العسكرية، والتي من أهم خصائصها الانضباط والطاعة، اللتان تتنافيان مع مقتضيات العمل القضائي، كما يتم تعيين القضاة العسكريين تعيينًا مؤقتًا لمدة عامين قابلة للتجديد، ويجوز لوزير الدفاع نقلهم أو عزلهم.
3- السلطات القضائية العسكرية هي وحدها التي تقرر ما إذا كان الجرم داخلاً في اختصاصها أو لا، دون أن تملك أي جهة قضائية أخرى منازعتها في ذلك.
4- القانون العسكري لم يحدد أقصى مدة للحبس الاحتياطي على خلاف قانون الإجراءات الجنائية في المادة 143 التي تنص على أقصى مدة للحبس الاحتياطي هي خمسة أشهر.
5- خرج قانون الأحكام العسكرية على المبادئ العامة بالنسبة للمحاكمات الغيابية (مادة 77 إجراءات جنائية)، والتي تقضي ببطلان ما تم من إجراءات المحاكمة، وكذا الحكم إذا قدم المتهم نفسه أو قُبِضَ عليه قبل إتمام محاكمته غيابيًّا أو قبل سقوط العقوبة.
6- تُهدر هذه المحاكم العديد من الضمانات اللازمة للمحاكمة العادلة؛ مثل إهدار حق المتهمين في إعداد دفاعهم، وحرمانهم من الاستعانة بمحاميهم الموكلين، وإهدار حق الدفاع في الاطِّلاع على ملفات القضايا، ومقابلة موكّله على انفراد، وعدم الاعتداد بتعرض المتهمين للتعذيب.
وقالت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش: إن محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية المصرية يخالف المعايير الدولية للمحاكمات العادلة، كما في المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي صادقت مصر عليه في 1982، فإن لكل شخص الحق في أن تكون قضيته محلَّ نظر من قبل محكمة مختصة مستقلة حيادية منشأة بحكم القانون.
أما عدم مبررات محاكمة قيادات الإخوان المسلمين في هذه القضية فتتمثَّل في عدة نقاط:
أ- عدم وجود واقعة أو دليل محدد يخص أيًّا من المتهمين: فقد ارتكزت أدلة الاتهام في هذه القضية على ما يسمَّى بمحضر التحريات الذي قام بها ضابط واحد من أمن الدولة، وصدر بموجبه كلُّ قرارات الضبط والحبس، رغم أن هذا المحضر قد خلا من أيِّ دليل مادّيٍّ أو واقعة محددة، فلم يتم رصد أي اجتماعات بين المتهمين على الإطلاق، فضلاً عن أنهم جميعًا من محافظات مختلفة، ولا توجد بينهم علاقات أو أعمال مشتركة، كما أن جميع محاضر الضبط والتفتيش قد خلت من أية دلائل تشير إلى ارتكابهم جريمة ما.
2- أحكام القانون والدستور المهدرة والمنتهكة: أصدرت محكمة الجنايات قرارًا بإخلاء سبيل المتهمين في جلسة 29/1/2007؛ باعتبار أن الاتهامات تخلو من أية أدلة، وبدلاً من أن تلتزم الداخلية بالإفراج عنهم استجابةً لحكم المحكمة بادَرَت بإصدار الحكم باعتقالهم في نفس اليوم، ثم أصدر النائب العام قرارًا بالتحفُّظ على أموال المتهمين في القضية، بالإضافة إلى زوجاتهم وأولادهم القُصَّر، وتمت إحالة القرار بالتحفُّظ إلى دائرة معينة في محكمة الجنايات معروفة بموالاتها للنظام، كما أبطلت المحكمة قرارات الاعتقال مرتين، وأصبح الإفراج عن المتهمين وجوبيًّا.
3- اصطناع الدليل لموافقة الاتهام: فمن أعجب النقاط في هذه القضية أن نيابة أمن الدولة والنيابة العسكرية قامتا بتوجيه تهمة غسيل الأموال للمتهمين، في الوقت الذي كُلفت لجنة مالية لاصطناع الدليل على هذه التهمة، وقد ظلت هذا اللجنة تعمل على إعداد تقريرها المالي عدة شهور، ورغم توجيه تهمة غسيل الأموال في قرار الاتهام في أولى جلسات المحكمة العسكرية في 26/4/2007 إلا أن المدعي العام العسكري اعترف في هذه الجلسة أن التقرير المالي الذي تستند إليه تهمة غسيل الأموال لم يتم إعداده بعد.
ثم كان صدور حكم القضاء الإداري في يوم 8/5/2007 ببطلان قرار الإحالة للقضاء العسكري لطمةً كبرى للذين اتخذوه، وأصبح الإفراج عن المدعى عليهم أمرًا محتَّمًا، إلا أن الداخلية ضربت بهذا الحكم عرض الحائط أيضًا، وبدأت في اتخاذ أساليب ملتوية للتهرب من تنفيذ هذا الحكم، وكان من أهم مظاهر هذه الأساليب الاستشكال أمام دائرة غير مختصة أصلاً، وقد تم رفض هذا الاستشكال بالطبع فيما بعد، كما أنها طعنت بعد ذلك على حكم القضاء الإداري في الإدارية العليا؛ حيث تم اختيار الدائرة الأولى المنتدب أعضاؤها في جهات وزارية مختلفة في الوقت نفسه.
ولك أن تتخيل أن يكون مثل هؤلاء من العلماء والمهنيين ورجال الأعمال خلف القضبان، منهم (9) أساتذة جامعات، و(8) رجال أعمال، و(6) أطباء، و(8) مهندسين، وعدد من المديرين والمحاسبين وصحفي، وقد نتج عن اعتقالهم (2225) شخصًا مضارًّا اجتماعيًّا، و(7600) شخص مضار ماديًّا و(7350) طالبًا مضارًّا علميًّا فضلاً عن توقف (28) رسالة دكتوراه، و(17) رسالة ماجستير، وعشرات الأبحاث العلمية، و(76) شركة مغلقة، رغم حصولهم على (4) أحكام بالإفراج، فلا يزالون خلف القضبان، ولا يزال نزيف الوطن مستمرًّا.
ورغم حقهم الدستوري في التحاكم أمام القاضي الطبيعي، ورغم محاكمة المتهمين بالتجسس لحساب "إسرائيل" أمام محاكم مدنية، وهي قضية أمن قومي، ورغم محاكمة المتهمين بتفجيرات سيناء أمام محاكم مدنية، وهي قضايا عنف وإرهاب!!، تم إحالة هؤلاء الشرفاء إلى محكمة عسكرية؛ نظرًا لعدم وجود أي أدلة حقيقية لإدانتهم؛ حيث قامت المحاكم المدنية بإخلاء سبيلهم أكثر من مرة؛ لعدم وجود أي أدلة على التهم الملفقة، فلم يجد النظام بُدًّا من إعادة اعتقالهم وتقديمهم للمحكمة العسكرية!!.
إذًا فهذه ليست قضية اعتقال عدد من جماعة الإخوان المسلمين، وإنما هي قضية حريات ضائعة وحقوق منتهكة وأحكام قضائية مهدرة، وهي قضية شعب يراد إسكاته، ووطن يراد له أن يظل تابعًا ومكبَّلاً بالأغلال.. هي قضية أمة يراد لها الاستمرار في التخلُّف، بل هي قضية كل مصري.
إن النظام السياسي الذي يلجأ لمحاكمة المدنيين أمام قضاء عسكري هو نظامٌ يعلن بنفسه عن حقيقة طغيانه وعدم احترامه للمبادئ التي يتشدَّق بها في مجال الحريات العامة والديمقراطية وحقوق الإنسان، والذي يزيد الطين بلَّة هو منع ممثلي جمعيات حقوق الإنسان الدولية والمصرية من حضور جلسات المحاكمة، وهو أمرٌ يجسد خرقين كبيرين لما هو مستقرٌّ في المجتمعات الديمقراطية، وأعني حضور ممثلي جمعيات حقوق الإنسان للمحاكمة، ثم الجرم الأكبر وهو محاكمة مدنيين أمام قضاء عسكري.
فبأي منطق يستمر النظام المصري في هذا النهج الصارخ في دلالته على الطغيان من جهة، وعلى عدم الكفاءة من جهة ثانية، وعلى اللا مبالاة من جهة ثالثة، وما أشدَّ بؤس مجتمع يحاكَم فيه الناس على الأفكار والأقوال وليس على التصرفات والأفعال.
وفي هذا السياق يقول المهندس خيرت الشاطر: "إن النظام لو استمر في حجز الأموال، بل وتطوَّر الأمر إلى الأرواح، فإن الإخوان لن يتراجعوا عما يؤمنون به، وسيظلون جنودًا لهذا الوطن يسعون لنهضته، وإنهم من المستحيل أن يسافروا أو يتركوا سفينة الوطن ليُغرقها الفاسدون".
إنني أطالب كل الشرفاء في العالم، ومنظمات المجتمع المدني، وجمعيات حقوق الإنسان، أن يقفوا موقفًا صارمًا وموحّدًا وقويًّا لرفض محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري والاستثنائي.. ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43)﴾ (إبراهيم).
-----------