الصورة غير متاحة

د. نادر الفرجاني

 

التضييق على الحريات، ومناخ الفساد السائد حاليًا هو الذي يُنتج- في الأساس- عيوبَ المجتمع المدني الراهنة؛ فمن المفيد قطعًا أن يحويَ الإصلاح المنشود ضمانات صلاح الحكم في منظمات المجتمع المدني ذاتها؛ من حيث اتساع التمثيل والشفافية، والإفصاح والمساءلة بما يساعد على محاربة الفساد المالي والإداري وصيانة الصالح العام.

 

في مفهوم حرية التنظيم

المقصود هنا بحرية التنظيم: الاحترام القاطع لحقِّ المواطنين في المجتمع السلمي، وإنشاء المنظمات في المجتمعَين المدني والسياسي بالتعريفات التقليدية أو في المجتمع المدني بالمعنى الواسع، الذي يشمل- بالإضافة إلى المنظمات غير الحكومية- النقاباتِ والاتحاداتِ العمَّالية والمهنية، ووسائلَ الإعلام والأحزابَ السياسية، أي جميعَ أشكال التنظيم التي ينتظم فيها المواطنون في منظماتٍ، طواعيةً في مجالٍ عامٍّ مستقلٍ عن سلطان الدولة؛ خدمةً للصالح العام دون استهداف الربح.

 

وحرية التنظيم هي الشرط الأساسي لقيام مجتمع مدني حيوي وفعَّال يمكن أن يلعب دورًا في  التحوُّل نحو الحكم المؤسسي الصالح، وضمان استمراره حال قيامه؛ إذ إن حرية التنظيم هي أهم الحريات المفتاح للرأي والتعبير والتنظيم قاطبة، والتي عادةً تستتبع- عند تأصيلها- باقيَ الحريات والحقوق، وتتيح على وجه الخصوص قيام مجتمع مدني حر وحيوي وفعَّال، كما يترتَّب على الاحترام التام لهذه الحريات ضمان عدم تعطيل المسيرة الديمقراطية، أو الانقلاب عليها من قبل أي أغلبية تصل للحكم.

 

الحكم السيئ يحبس حرية التنظيم

الحرية هي القيمة الإنسانية الأعلى على سُلَّم الطيِّبات؛ ولهذا فإن أحد الجوانب المضيئة في التاريخ البشري هي الترقي الدائم للتمتع بالحرية، والنضال من أجل نيل الغاية السامية، وعلى خلاف غلو الليبرالية، خاصةً في صياغتها المحدثة التي جرَّت على البشرية ويلات تحت شعار "لا حرية إلا لرأس المال وحافز الربح"، في ظل ما سُمِّي "توافق واشنطون"، وأطلق الرأسمالية البربرية لتفترس البشر والرفاه الإنساني في جميع أرجاء العالم، لا يتوقَّف مفهومنا للحرية عند حرية الفرد، ولا نكتفي في حرية الفرد باحترام الحريات المدنية والسياسية.

 

الحرية مطلوبةٌ للوطن و المواطنين جميعًا، وحرية الوطن بمعنى ضمان التحرر الوطني وتقرير المصير، وهي بالمناسبة من حقوق الشعوب في القانون الدولي لحقوق الإنسان غايةٌ محوريةٌ في الوطن العربي؛ حيث قطران منه محتلان، وتجثم على أرض كثيرٍ من بلدانه قوات الوطأة، ومتصاعد لمراكز القرار المهيمنة على صعيد العالم.

 

وعلى مستوى الفرد نطلب الاحترام الكامل للحرِّيات المدنية والسياسية، خاصةً على صورة المساواة في حقوق المواطنة كافةً، ولكننا نصرُّ إضافةً إلى القضاء على جميع أشكال الانتقاص من الكرامة الإنسانية مثل الفقر والجهل والمرض والظلم، فالحرية الفردية لا تكتمل إلا بالعدل والاحترام البات للكرامة الإنسانية.

 

في مقابل الحرية سعى البشر دائمًا في جانب أقل إضاءة من السعي للحرية لامتلاك القوة التي تيسر قهر الآخر، أو فرض إرادة من يمتلك القوة على الآخرين، خاصة من لا يمتلكون أسباب القوة، وقد تمثلت القوة عبر التاريخ البشري في جانبين: السلطة السياسية والثروة.

 

وحيث القهر هو نقيض الحرية، فقد قام دائمًا توتر بين الحرية، والقوة في جميع المجتمعات البشرية، واقتضت إدارة هذا التوتر قيام أنظمة الحكم التي تعني في الأساس بمسألتين: توزيع القوة بوجهيها، وأسلوب ممارسة القوة، وتنوعت أنظمة الحكم على هذين المحورين، في أنظمة الحكم الصالح يتسم توزيع القوة بالعدالة، وتمارس القوة لتحقيق الصالح العام، عبر مؤسسات شفافة تحكمها قواعد قانونية ثابتة، ومعروفة للجميع، أما في أنظمة الحكم السيئ فتحتكر القوة فيها قلة، وتمارس القوة، بواسطة ثلة أو حتى فرد واحد متسلط، لضمان مصالح الثلة القابضة على مقاليد القوة، وأهم هذه المصالح استمرار قبضتها على مقاليد القوة، حيث يعني فقدها خسائر هائلة، وفي أنظمة الحكم السيئ عادة ما يتزاوج وجها القوة: السلطة والثروة، بما يتيح المناخ المواتي لنشأة متلازمة الفساد والاستبداد وعادة تسعى أنظمة حكم الاستبداد والفساد إلى إطالة أمد استبدادها بالقوة.

 

ومغانمه الضخمة بحرمان الغالبية من مصدري القوة، من خلال إفقارها وإقصائها من السياسة، عن طريق خنق المجال العام من خلال تقييد التمتع بالحرية، خاصة الحريات المفتاح للتعبير والتنظيم والتجمع السلمي وإنشاء المنظمات في المجتمعين المدني والسياسي.

 

ولا يخفى على حصيف أن هذه هي بالضبط حال غالبية البلدان العربية وبناءً عليه فليس بمستغرب أن تقوم أنظمة الحكم العربية بتقييد التمتع بحريات التعبير والتنظيم، خاصةً الأخيرة فإن سمحت أنظمة الحكم بهامش مدار من حرية التعبير، من قبيل التنفيس عن الضيق الشعبي بالمظالم التي تنتجها مثل أنظمة الحكم هذه، إلا أنها تضيق على حرية التنظيم أشد التضييق.

 

حال حرية التنظيم في البلدان العربية

تفيد أنظمة الحكم في البلدان العربية من حرية التنظيم بواسطة أداتين رئيسيتين/ التشريع الجائر والتدخل الإداري المتعسف، فالتشريعات القائمة باستثناء لبنان، تعطي جهات الإدارة الحكومة أو جهاز آخر يمثل الدولة أو الحزب الحاكم، سلطة التصريح بإنشاء منظمات المجتمع المدني، وعادةً ما تكون القيود على إنشاء وسائل الإعلام والأحزاب السياسية أشد قسوةً.

 

ولقد شهدت الشهور القليلة الماضية تدهورًا أشد في تقييد الحرية من خلال التشريع من خلال تعديل الدستور قانون القوانين ففي حالة مهمة في حدِّ ذاتها، وفي منظور تقليد كثير من الدول العربية لتشريعاتها تضمنت تعديلات دستورية أدخلت حديثًا إساءات جمة لمبادئ القانون الدستوري، والقانون بعامة، والتي تفترض أن تحمي الحرية وحقوق الإنسان، بما يفتح المجال في نظر فقهاء القانون الدستوري الثقاة للدفع بعدم دستورية هذه الإساءات إلى روح الدستور، ولكن منطق النظام وزبانيته وترزية القوانين الخبيث كان تضمين القيود على الحرية في صلب الدستور حتى يمتنع الدفع بعدم دستوريتها فقبل التعديلات الإساءات كان الدستور ينص على احترام الحرية، ويحيل إلى قوانين أدنى مرتبة لتقييد الحرية من باب التنظيم، وكان هذا الوضع ييسر الدفع بعدم دستورية القوانين المقيدة للحرية، والأحكام المترتبة عليها، ويزيد من غرم هذه التعديات المسيئة أن مررت بليل، وبكثير تدليس من قبل النظام الحاكم في مطلع العام 2007.

 

ولا يتوقف تقييد حرية التنظيم عند حدود التعسف في السماح بالنشأة، ولكن التنظيم التشريعي يتيح لجهات الإدارة "الحكومة" أو جهاز آخر يمثل الدولة أو الحزب الحاكم، سلطات واسعة للتدخل في شئون مؤسسات المجتمع المدني بما قد يمنعها من القيام بنشاطها بحرية ويحول دون تحقيق أهدافها التي نشأت من أجلها.

 

وليس غريبًا في ظل هذه الترسانة من القيود على حرية التنظيم أن يبقى المجتمع المدني في البلدان العربية ضعيفًا وقاصرًا على المساهمة الفعالة في مسيرة الإصلاح المطلوبة في البلدان العربية.

 

مداخل ضمان حرية التنظيم في البلدان العربية الغاية:

وفق تقرير التنمية الإنسانية العربية 2005م يفتح الستار عن العملية التاريخية للتحول نحو الحرية والحكم الصالح، في سياق بديل الازدهار الإنساني للمستقبل العربي، بقيام مجال عام فسيح وحر مستقل عن سلطان الدولة تشغله منظمات مجتمع مدني حرة، وفعالة وقادرة على الاستمرار بالموارد الذاتية، أي بتحرير القوى المجتمعية بما يضمن تبلور طليعة مجتمعية للتغيير تتمحور حول مؤسسات المجتمع المدني خدمة للنهضة في الوطن.

 

على سبيل التحديد فيما يتصل بمنظمات المجتمع المدني يعني اكتمال هذا المشهد التحول عن النسق الحالي القائم على التصريح بقيام منظمات المجتمع المدني من قبل جهات الإدارة، من وراء ستار رفيق، وإشراف السلطة التنفيذية على هذه المنظمات، بل والتدخل السافر في نشاطها وإدارتها حين تشاء.

 

على النقيض مطلوب الانتقال من هذا النسق الضامن لسيطرة جهات الإدارة على النشاط المدني في البلدان العربية إلى نسق مناقض يطلق حرية التنظيم وفق شروط قانون حامٍ للحرية، يضمن حرية منظمات المجتمع المدني في القيام والنشاط، في حمي سيادة القانون وقضاء مستقل قطعًا.

 

ومع أن التضييق على الحريات ومناخ الفساد السائد حاليًا هو الذي ينتج في الأساس عيوب المجتمع المدني الراهنة فمن المفيد قطعًا أن يحوي الإصلاح المنشود ضمانات صلاح الحاكم في منظمات المجتمع المدني ذاتها من حيث اتساع التمثيل والشفافية والإفصاح والمساءلة بما يساعد على محاربة الفساد المالي والإداري وصيانة الصالح العام.

 

السبيل.. تمتلك أنظمة الحكم الراهنة في البلدان العربية مفاتيح الإصلاح القانوني اللازم لإنجاز الضمانات القانونية لحرية التنظيم ولكف يد جهات الإدارة عن التدخل في إنشاء مؤسسات المجتمع المدني وفي نشاطها، مع العلم بأن النصوص القانونية لا تكفي لضمان التمتع بحرية التنظيم إلا في ظل استقلال تام للقضاء.

 

وليس هناك إلا سبيلان:

الأول أن تستجيب أنظمة الحكم القائمة للضغوط المتصاعدة، من الداخل والخارج، لإنجاز الإصلاح المطلوب لتمام التمتع بحرية التنظيم.

 

ومن أسفٍ أن الشواهد المتاحة لا تضفي على هذا السبيل احتمالاً كبيرًا، فالشواهد على العكس تدل على أن أنظمة الحكم القائمة تسعى للتضييق أكثر على حرية التنظيم وللنيل من استقلال القضاء إلى أبعد مما هو قائم، مما ينبئ باشتداد التوتر المجتمعي، الذي ينذر بأن ينقلب عنيفًا، في البلدان العربية.

 

إلا أن تصعيد النخب شاملةً منظمات المجتمع المدني القائمة، لنضالها من أجل ضمان حرية التنظيم بجميع الأشكال الممكنة يمكن أن يرفع احتمال هذا السبيل ويقرب من يوم تحققه.

 

فإن لم يأتِ الإصلاح المنشود عن هذا السبيل فلا مناص من الانتظار حتى تخلي أنظمة الحكم الراهنة عن الساحة أو تجبر على إخلائها لبدائل أكثر قبولاً لضمان حرية التنظيم، وذاك اليوم آتٍ لا ريب!.

-------------

* الدستور 3/2/2008م