لا بد أن نعترف بشجاعة بأن العالم العربي تراجع أمام أمريكا و"إسرائيل" بسبب ضغوطهما، فتخلَّى عن المقاومة والانتفاضة، وكانت المناسبة الأخيرة التي ذكرت فيها الانتفاضة بشكل إيجابي هي قمة بيروت العربية في مارس 2002، وكان ذلك أثرًا باقيًا للتراجع الذي بدأ بالفعل أمام ظهور شارون في فبراير 2001، وقد استشعرت الخطر من المناخ الذي ظهر فيه وطبيعته وبرنامجه، فطالبت قبيل قمة عمان في أواخر مارس 2001 وسط ابتهاج عام بين الكتَّاب بعقد أول قمة سنوية تنفيذًا لدورية القمة، وكأنه في ذاته نصر عربي مبين، طالبت بأن يعلن العرب عدم الاعتراف بحكومة شارون وبرنامجه، والأولى به أن يؤكد التفاوض مع المقاومة بدلاً من إعلان العزم على قمعها.

 

وكان واضحًا أن الانتفاضة وحدها في مواجهة شارون- ودون مساندة مادية وسياسية ودبلوماسية عربية- بمثابة انتحار، ولهذا عمد شارون بعد ضربة سبتمبر 2001 في نيويورك إلى توظيف هذه التداعيات للربط المتقن بين هذه الانتفاضة والإرهاب، فانسحب العالم العربي كله من الساحة المالية والسياسية والدبلوماسية، خاصةً بعد أن بدأت منظمات المقاومة تُوضَع على قوائم الإرهاب، حتى اعترف العالم العربي ضمنًا وبسبب قهره أمريكيًّا و"إسرائيليًّا" بعدم جدوى الانتفاضة في مواجهة هذا المدِّ الكاسح، فلم يعد للانتفاضة ذكرٌ في الخطاب السياسي والإعلامي الرسمي العربي.

 

أدى هذا التراجع إلى أن فهمت "إسرائيل" جيدًا تبرُّؤ العالم العربي من الانتفاضة؛ مما أتاح الفرصة "لإسرائيل" والولايات المتحدة للإجهاز عليها، كما تواكب ذلك مع جهود "إسرائيلية" لتقويض شعور المقاومة، حتى أظهرت استطلاعاتُ الرأي العام بين المثقفين- ومن بينهم فلسطينيون- تفضيلاً للحلول السياسية الوهمية بديلاً عن الانتفاضة؛ بسبب عدم التناسب بين قوة "إسرائيل" وإمكانيات الانتفاضة، وهو الوضع الذي أرادت "إسرائيل" أن تخلقه، لكي تظهر اتجاهات معارضة للانتفاضة، وهو موقف أفرز عددًا من الانتهازيين والعملاء، وظهرت في هذه الأثناء قياداتٌ تناسب المناخ الجديد؛ مثل دحلان وأبو مازن وغيرهما.

 

ثم جرت الانتخابات التشريعية وأتت بحماس في يناير 2006 إلى السلطة؛ مما أربك حسابات أبو مازن، فبدأ الشقاق الرسمي بين حماس وأبو مازن لمجرد أن "إسرائيل" لم تسعدها هذه النتائج؛ ففرض الحظر على الشعب الفلسطيني وعلى حماس، وللأسف كان العالم العربي ضمن المناطق التي استجابت للنزوات الأمريكية و"الإسرائيلية"، وكأن العالم العربي لا يتصوَّر وصولَ منظمة إرهابية إلى السلطة وانحاز إلى أطروحات أبو مازن إرضاءً "لإسرائيل" وأمريكا، حتى انتهى الأمر بالانشقاق الفلسطيني، فاتجه العالم العربي فورًا صوب الموقف "الإسرائيلي" والأمريكي، وهو السكوت على المقاطعة، وتأييد ما أسماه بالشرعية لأبو مازن، حتى رغم انتهاك أبو مازن للدستور الفلسطيني..!!.

 

فتسبَّب هذا الصراع الفلسطيني المدعوم عربيًّا- كما أشرت- في استيلاء حماس على غزة، وأوقعت "إسرائيل" وأمريكا في روع العالم العربي أن ما حدث انقلابٌ على الشرعية الفلسطينية بعد أن كان ظهور حماس السياسي انقلابًا على الشرعية الدولية؛ لأنها تمسكت بموقفها الذي يعكس حقوق الفلسطينيين، وبدا العالم العربي موزَّعًا بين علمه بالحقيقة وبين قهره على الاستجابة للنزوات الأمريكية ضد حماس؛ فبدأت تظهر أصوات عربية تؤيِّد الموقف الصهيوني، وتعلن عداءً مريرًا لحماس، تارةً بسبب توجهها الإسلامي وتارةً أخرى بسبب دعم إيران لها بعد أن تخلَّى عنها العرب وتارةً ثالثةً لأنها تتصل بسبب للإخوان المسلمين، فوضع هذا الفريق حماس ضمن حساباته إزاء الإخوان.

 

ولكن العالم العربي، رغم هذه المسئولية الجسيمة عما حدث في فلسطين، يتمسَّك بالمظاهر إبراءً للذمة، فقد ظلَّ يدين الحظر الذي ينفذه العالم العربي نفسه، ويطالب العالم الخارجي برفعه، وظلَّ يطالب برأب الصراع الفلسطيني، وأبرم من أجل ذلك اتفاق مكة الذي احتفل بالتوقيع والقفز على الواقع دون أن يصفِّي جذور الخلاف، فانفجر الخلاف بعد مكة بأسابيع بشكل دموي، وكان آخر المواقف العربية في هذا الباب ما سجَّله وزراء الخارجية العرب في القاهرة 27 يناير 2008 في قضية المعابر؛ حيث طالبوا بوضع هذه المعابر تحت إشراف السلطة الوطنية، دون إشارة إلى حماس، وهو قرارٌ يغفل الواقع تمامًا، ويؤدي إلى مزيدٍ من الصدام بين حماس والسلطة، ولكنه قرارٌ يتمشَّى مع الموقف العربي المزدوج الذي يُسهم بجديَّة في تصفية القضية؛ فالعرب من ناحية يريدون توافقًا فلسطينيًّا ومن ناحية أخرى لا يريدون إغضاب "إسرائيل" وأمريكا.

 

والنتيجة أن ذلك شجَّع "إسرائيل" على فكِّ الارتباط عمليًّا بين تعاملها مع الفلسطينيين تحت أوهام عملية السلام وبين التطبيع مع العرب الذي يقف دونه بعض مما يتبقى من اعتبارات، ربما أهمّها مساعدة أبو مازن بهذه الورقة الأخيرة لعله يستخدمها مع أولمرت ولو من الناحية النظرية.

 

في ضوء هذا التحليل، يتضح أن الأصل هو التخلِّي العربي الذي أتاح كل ما نراه على الساحة من تمزُّق فلسطيني، وتوحُّش "إسرائيلي" وأمريكي، بل إن هذا التخلي سوف يُترجَم في صدام محتمَل بين مصر وحماس في غزة، أو بين مصر و"إسرائيل"؛ بسبب حملة الإبادة "الإسرائيلية" في غزة وآثارها المباشرة على تدافع الفلسطينيين عبر الحدود.

 

ولذلك فإن الحل العربي السليم يحقِّق توافقًا فلسطينيًّا حول المعابر، والضغط على "إسرائيل" لوقف أعمال الإبادة ضد غزة هو الخطوة الأولى لدفع الطرفين حماس، والسلطة إلى الحوار الجادّ، وكل طرف يعلم أن توظيف أي طرف لتحقيق كسب ضد غريمه، إنما هو قِصَرُ نظرٍ؛ لأن الشعب هو الذي يدفع الحساب من رصيد الصبر الذي نفد، وقد يأتي يوم يقرر فيه هذا الشعب أن السلطة عبء عليه، وأنه يجب أن يواجه "إسرائيل" بلا غطاء السلطة الذي تحته تمارسُ "إسرائيل" كلَّ صور الهوان والإبادة.

 

والخلاصة أن الحلَّ لهذه المأساة إما إنهاء السلطة أو المساندة العربية لطرفي السلطة، فلم يعُد مصير الشعب الفلسطيني يتسع لترف الخلاف بين السياسيين من الطرفين.