![]() |
|
شعبان عبد الرحمن |
أُصيبت آلةُ الإعلام الصهيوني بحالة عصبية غريبة ملأت الدنيا صراخًا ضد لاعب الكرة المصري المعروف محمد أبو تريكة؛ لأنه عبَّر عن فرحته بتسجيل هدف خلال بطولة الأمم الإفريقية بالكشف أمام ملايين المشاهدين عن "فانلة" داخلية تحت زيّ المنتخب المصري كتب عليها: "تعاطفًا مع غزة"؛ فقامت قيامة الإعلام الصهيوني، مطالبًا الاتحاد الإفريقي والاتحاد الدولي "الفيفا" لكرة القدم بمعاقبة أبو تريكة، طبقًا للمادة الرابعة من القانون التي تحتِّم على اللاعبين عدم إظهار القمصان الداخلية التي تحمل شعارات سياسية أو دعائية.
وللعلم فإن حكَم المباراة لم ينتظر من الإعلام الصهيوني كلَّ هذه الضجَّة، فقد بادر بإنذار أبو تريكة بـ"بطاقة صفراء".. فماذا يريد الصهاينة بعد؟!
وبيت القصيد هنا أننا أمام إنسان نبيل، يعيش قضايا أمته، ومآسي إخوانه، ولا يملك شيئًا يعبِّر به عن تضامنه أو حُزنه لما آل إليه وضْعُ غزة سوى ساحة الملعب وجماهيره، التي وضعته قبل أيام في مرتبة أفضل لاعب محبوب عالميًّا (استفتاء الاتحاد الدولي لتأريخ وإحصاء كرة القدم IFFHS).
وأبو تريكة واحدٌ من أبناء الشعوب العربية والإسلامية، التي ظلَّت تتميَّز غيظًا طوال سبعة أشهر من حصار غزة؛ بسبب مواقف التخاذل والصمت واللا مبالاة العربية، وما فعله هو لون من ألوان انفجار الشارع العربي والإسلامي، كانفجار أهالي غزة، وتدميرهم للسور الحدودي، بعد أن أصبحوا على شفير الموت؛ ولذا فإن تصرف أبو تريكة داخل الملعب- رغم الهجوم الصهيوني عليه- يعدُّ أجمل أهدافه التي تُحفَر في ذاكرة التاريخ؛ لأنه جاء في المرمى الصهيوني المتَّصف بالإجرام والوحشية والتنكُّر لكل المعاني الإنسانية، وأجمل أهدافه لأن ملايين المشاهدين في العالم تفاعلوا معه وهو يصنع لحظةً تاريخيةً؛ انتصارًا لغزة المحاصرة بالموت من كل مكان!!.
الآلة الإعلامية الصهيونية التي أُصيبت بالصرع من تصرف أبو تريكة الإنساني مع إخوانه في غزة تذكَّرَتْ أن هناك قانونًا ولوائح لا بد أن تطبَّق على أبو تريكة؛ لأنه أدخل الرياضة في السياسة!! وتناست أنها احتفت بـ"جون بانتسسيل" (مدافع منتخب غانا) عندما قام عقب فوز منتخب بلاده على منتخب التشيك في نهائيات كأس العالم الماضية 2006م برفْع العلَم الصهيوني والطواف به حول الملعب، وما فعله "جون" كان بدون أي مناسبة، فلم يكن الكيان الصهيوني يتعرَّض مثلاً لحرب إبادة كما يحدث في الأراضي الفلسطينية، ولا أصيب الصهاينة بطاعون، ورغم ذلك هلَّلت له نفس الآلة الإعلامية ولم يحصل اللاعب على أي عقاب فِعلي من قِبل الاتحاد الدولي لكرة القدم سوى "إنذار شفهي"، صحيح أن وزير خارجية غانا ورئيس اتحاد كرة القدم قدما اعتذارًا للشعوب العربية، مؤكدين أن تصرُّف "جون" كان امتنانًا لـ"إسرائيل"، التي كان يلعب كمحترف لأحد أنديتها، ولكن أين موقف الاتحاد الدولي هذا من ذاك؟!
نفس الاحتفاء حظِي به نجم الكرة العالمي المدمن "مارادونا" عندما زار الكيان الصهيوني وزار حائط البراق المسمَّى زورًا بحائط المبكى وهو يرتدي القلنسوة اليهودية.. أما أبو تريكة فعندما يعبِّر عن تعاطفه "مجرد تعاطف" مع شعب يُقتل ويُباد على أيدي أخسِّ خلق الله الذين يدوسون على كل القوانين والدساتير والاتفاقيات والقرارات الدولية بشأن فلسطين، فهو مخالف لقانون "الفيفا"! ويجب محاكمته!!.
لقد تمكَّن الصهاينة- عبر مخطط متعدد المراحل خلال العقود الأخيرة- من تكميم أفواه الحكومات العربية والإسلامية، وبعد أن اطمأنوا لذلك ينافحون اليوم لتكميم أفواه الشعوب العربية؛ حتى يتحوَّل الجميع حكامًا ومحكومين إلى حالةٍ من صمت القبور وهم يشاهدون فلسطين- الأرض والشعب- تُذبح كل يوم.
ولئن نجحوا مع الحكام فهيهات هيهات لهم أن يحققوا شيئًا من ذلك مع الشعوب!!.
--------
* كاتب مصري ومدير تحرير مجلة (المجتمع) الكويتية- Shaban1212@hotmail.com
