![]() |
|
شعبان عبد الرحمن |
أيًّا كان الحديث حول جولتي الرئيسين بوش وساركوزي في المنطقة فإن "لب" الهدف من تلك الجولة كان "الحركة الإسلامية وكيفية لجمها أو وأدها"، فالمنطقة تموج بحالةٍ من الصعود الإسلامي المتنامي بدرجة سريعة.. عودة الشعوب إلى أحضان دينها فهمًا والتزامًا وتطبيقًا، والتفاف قطاعات واسعة من الشعوب حول الحركة الإسلامية التي أثبتت في محكات واختبارات عديدة أنها قادرة على قيادة الشعوب وفق برامج تفوق في جديتها وموضوعيتها برامج أحزاب كثيرة قائمة، الأمر الذي يؤكد أن الحركة الإسلامية صاحبة المشروع المناوئ للمشروع الصهيوني خاصةً، والغربي الاستعماري عامةً، ماضيةً بعزم وتصميم على تطبيق مشروعها سلميًّا، وهي رغم التضييق، والعسف ومحاولات النفي السياسي لها صارت قاب قوسين أو أدنى من الحكم، بل إن منها من تمكن بالفعل من الإفلات، ووصل إلى سُدته مثل حركة حماس.
ومن هنا تأتي أهمية جولة الرئيسين الكبيرين للمنطقة العربية، ولسنا في حاجة إلى جهدٍ كبيرٍ لإثبات أن تحرك رئيس أكبر دولة في العالم، ورئيس أحد أهم الدول الأوروبية لم يكن من أجل قيام دولة فلسطينية، أو إنهاء معاناة الفلسطينيين، أو إرساء صداقة وشراكة تساعد على تنمية المنطقة واستقرارها، وفتح صفحة جديدة مع شعوبها، وإنما الواضح هو أن تلك الجولة جاءت لإضافة مزيدٍ من الصفحات السوداء في العلاقة مع الشعوب العربية وصب المزيد من "الزفت" حتى يتواصل اشتعالها بالحروب مخلفةً بيئةً سامةً وقاتلةً، فمَن لم يمت بالنار مات بالهواء المسمم!.
إنَّ لُبَّ زيارةَ بوش للفلسطينيين هو التشجيع، والمساعدة بكل الطرق للقضاء على حماس، وإنهاء المشروع الإسلامي في فلسطين لإفساح الطريق أمام تيار "أوسلو" ليتنازل بملء راحته ويوقع- لا قدر الله- صك التنازل عن القدس وحق عودة اللاجئين، وإلا فأين تصب تصريحات كلٍّ من بوش ورئيس الوزراء الصهيوني أولمرت بأنه لن يتحقق سلام في الشرق الأوسط ولن تتحقق أي خطوات عملية على الأرض إلا بعد أن تفي السلطة الفلسطينية بتعهداتها في خارطة الطريق؟! ولمَن نسي فإننا نذكِّر أن تعهدات السلطة في خارطة الطريق تضمنت الالتزام بالقضاء على الإرهاب، أي تصفية المقاومة أولاً ثم بعد ذلك يتم التفاهم في الخطوة التالية.. الدولة الفلسطينية وخلافه!.
وقد كان "لب" زيارة بوش لمصر هو مزيد من الضغوط لإحكام الحصار على غزة وتحقيق مزيد من السيطرة على الحدود، ولو تمكنوا من منع مرور الهواء إلى هذه المنطقة لفعلوا؛ لأن المطلوب قتل غزة، شعبًا وأرضًا، وفي هذا الإطار وصل إلى مصر حوالي 17 نائبًا من الكونجرس، وكانت رسالتهم الوحيدة الاطمئنان بأنفسهم من خلال زيارة ميدانية للحدود مع غزة إلى أن مصر تحكم الحصار، مع أن العقل والمنطق يقولان: إن جولة وفد الكونجرس الأمريكي كان ينبغي أن تكون داخل غزة لمعاينة الوضع الكارثي الذي يعيشه الناس هناك، لكنها حقوق الإنسان التي تمشي على أيديها وتسير بالمقلوب وفق الطلب الصهيوني! ليس ذلك فحسب بل يجري بحث تزويد مصر بأجهزة استشعار عن بُعد قيمتها 23 مليون دولار تخصم من قيمة المساعدات الأمريكية لمصر؛ وذلك لإحكام السيطرة على الحدود!!
لكنني أعتقد أن الضمير المصري الوطني، والإسلامي والإنساني سيظل على العهد مع أهل فلسطين عامةً وغزة خاصةً، ولن يخذل فلسطين، والموقف المصري في هذا الصدد عمومًا يستحق الإشادة.
أما جولة الرئيس الفرنسي في المنطقة فإنها لم تأتِ مصادفةً مع جولة بوش، لا بد أن هناك تنسيقًا وتكامل أدوار خاصةً فيما يتعلق بتنشيط عملية تصنيع العدو المشترك "الحركة الإسلامية والصعود الإسلامي"، فإن كان بوش تولى موضوع حماس وغزة ومعهما إيران، فإن ساركوزي أكمل الدور بالإعلان صراحةً عن ضرورة دعم أنظمة المنطقة، للحيلولة دون استحواذ الإسلاميين في الجزائر على السلطة ومثلهم الإخوان المسلمون في مصر، ومن المعلوم أن فرنسا أعلنت صراحةً عن تأييدها، ودعمها لانقلاب الجيش الجزائري عام 1989م، على الوضع الديمقراطي في البلاد وإلغاء نتائج الانتخابات البلدية التي فازت بأغلبية مقاعدها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، ومن يومها تعيش الجزائر في حرب أهلية ضربت عصب الحياة فيها في مقتل، ولم تنفع فرنسا الجزائر بشيء ولن ينفعها ساركوزي اليوم بشيء، بل بالعكس هناك حالة ابتزاز واستغلال فرنسي للحالة البائسة التي خلَّفتها الحرب الأهلية في الجزائر!! وخلال زيارته لمصر أعلن ساركوزي صراحةً خلال لقائه مع عددٍ من المثقفين، ورجال الأعمال بمقر السفارة الفرنسية بالقاهرة أن: "فرنسا لا تريد أن يكون هناك نظام متطرف في الجزائر أو للإخوان المسلمين في مصر"، واصفًا جماعة الإخوان بأنها متطرفة!.
ترى هل يسعى ساركوزي لإشعال فتيل حربٍ على الإسلاميين في مصر كما حصل في الجزائر ليتكرر النموذج الجزائري- لا قدر الله- في مصر؟!.
ثم أليس ما يقوم به بوش بشأن حماس وغزة هو عين ما يقوم به ساركوزي بشأن الإسلاميين في مصر، إنه تكامل الأدوار وفق خطةٍ مدروسةٍ بيت القصيد فيها هو ضرب الحركة الإسلامية في المنطقة؛ إذ لا ينبغي أن نظن أن تحرك رئيسين لدولتين كبيرتين مثل بوش وساركوزي يأتي هكذا دون خطة، أو أن تصريحاتهما المنسجمة هي توارد أفكار!.
إنها عملية تنشيط واسعة لتصنيع العدو "الحركة الإسلامية بل والإسلام"، والساحة- كما نلاحظ- متاحة لذلك دون امتعاضٍ من الأنظمة المصابة بحالةٍ غريبةٍ من الضعف، والتي قنعت بالاستئسادِ على شعوبها.. وكفى!
-------------
* كاتب مصري- مدير تحرير مجلة المجتمع الكويتية- Shaban1212@hotmail.com
