في مطلع الستينيات من القرن الماضي قذف بنا مجموع الثانوية العامة إلى أسيوط كي نلتحق بالجامعة هناك، وكنا مجموعة من طلبة جامعة أسيوط نسكن في شقة مكونة من أربع غرف بشارع يدعى متياس، والظاهر من اسم الشارع أن أغلب سكانه كانوا من إخواننا المسيحيين، فضلاً عن محلات البقالة، والخضار والفاكهة.
وقد اعتدنا- كطلبة- أثناء الفصل الدراسي أن نتناول طعام الغداء في مطعم الجامعة لسببين رئيسيين: أولهما أن الوجبة رغم أنها كانت تتضمن أرزًا ولحمًا وخضارًا وفاكهة، كانت رخيصةً للغاية، أظنها كانت بخمسة قروش ساعتها، وكان هذا متسقًا تمامًا مع حالة العسر وضيق حالنا الذي كنا نمر به آنذاك، وثانيهما: أن جدول الدراسة كان يحتل اليوم بطوله دون أن يترك لنا فرصة الذهاب إلى البيت.
ومع اقتراب امتحانات الفصل الدراسي نضطر إلى المكث في البيت للمذاكرة استعدادًا للامتحان، ويفرض علينا هذا الوضع الانقطاع عن الذهاب إلى مطعم الجامعة، وبالتالي تناول طعام الغداء في البيت إنقاذًا للوقت، ولم يكن يتعدى الغذاء هذا الثالوث العتيد: خبز- جبن- بيض، وهو أقصى ما تتحمله ميزانيتنا البائسة، ويوم أن تكون "الأشيا معدن" يمكن أن نبر أنفسنا بعلبة "بيلوبيف" أو "سلمون".
وكان يقطن بالقرب منا بقَّالٌ يُقال له الخواجة منير، وكان محله متواضعًا للغاية لا يكاد يتعدى مترين في متر، وأرففه خالية، ويبدو أنه احترف البقالة على كبر، ولم يكن محل البقالة يحوي شيئًا سوى الخبز والجبن والبيض والصابون.. وكان في الصيف- حيث الحرارة الشديدة والجو قائظًا- يحتفظ أمام محل البقالة بثلاجة صندوق يضع فيها زجاجات المياه الغازية، وعليها نصف لوح من الثلج يشتريه يوميًّا.
ولمَّا كانت حالتنا- نحن الطلبة- تصعب على كل ذي شفقة، إذ لم تكن القلل القناوي والأزيار التقليدية لتشفي الغليل في هذا الجو المميت، فكان الرجل يسمح لنا بأخذ كسرةٍ من الثلج الموجود في الثلاجة نطفئ بها نار الهجير كلما اقتضى الحال، وقد شعر الخواجة منير في لحظةٍ ما أن هذا يُكلفه الكثير فالمتبقي من الثلج لم يكن يكفي لتبريد زجاجات المياه الغازية والتي عادةً ما تظل دافئةً معظم الوقت، فقرر ألا يصرف لنا كسرة الثلج هذه، بل وينكر وجود الثلج من أصله إذا ما طُلِب منه.
وكان يسكن في شقةٍ بالدور الأول- تحتنا- مجموعة من الطلبة القاهريين، ومنهم شاب من المدبح يُدعى فايز، وكان كثير المناكفة، والمشاغبة للكافة، لكنه كان قمَّةً في خفةِ الظل، وفي ليلةٍ قائظة خرج فايز إلى بلكونته يشق بصوته الجهوري السكون بعد العشاء مناديًا الخواجة منير، وحينما ردَّ عليه الأخير بالإيجاب قال له فايز: عندك كوكاكولا يا خواجة، فقال: أيوه، فقال فايز: هل هي "ساقعة"؟ ساقعة قوي؟ رد عليه الخواجة: أيوه، فقال فايز: طيب هات قطعة ثلج!!!.
كان أيامها يستطيع الفرد أن يتناول إفطار شهيًّا مشبعًا مكونًا من بيض وجبن وخبز بثلاثة قروش فقط لا غير، أما الآن فالمسألة اختلفت، اختلفت كثيرًا فالأسعار- إضافةً إلى ارتفاعها الجنوني- تقفز إلى الأمام بشكلٍ مفزع، ومخيف وخلال أشهر، والناس من خلفها يلهثون، وقد انقطعت أنفاسهم لا يستطيعون- ولن يستطيعوا اللحاق بها، إلا أن تتداركهم عناية الله، لقد كانت الأسعار فيما مضى تتغير- وبشكلٍ طفيفٍ- ربما كل عشر سنوات، يكفي أن أقول إن مظاهرات الطلبة عام 72 كانت تردد "أنور بيه يا أنور بيه كيلو اللحمة بقى بجنيه".
أذكر أنه في منتصف الستينيات حينما كنتُ أقوم بدراسة الماجستير في الجيولوجيا، وكانت الدراسة حول منطقة سفاجا بالبحر الأحمر، فكنت أنزل أنا والعامل والسائق حينها في أحد الشاليهات التابعة لشركة سفاجا للفوسفات، وكان عامل الشاليه يسألنا عمَّا نريد تناوله في طعام العشاء فكنت أقول له نريد أن نأكل "سمك بوري مشوي"، فيعد لنا ثلاثة كيلو جرامات منه بالإضافة إلى الأرز والسَّلَطَات والخضرة والفاكهة، كل ذلك بخمسة وعشرين قرشًا!!! فسبحان من له الدوام، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
--------------
* النائب الأول للمرشد العام للإخوان المسلمين