حينما أعطى بلفور لليهود وعدًا بإنشاء وطن قومي لهم في فلسطين بزعم إحساسه العميق بالشفقة جرَّاء ما عانوه من اضطهاد، كان معاديًا لهم؛ فهم لم يكن لهم وزنٌ لتعمل لهم الإمبراطورية البريطانية أي اعتبار، كل ما كان يريده البريطانيون- ومن بعدهم الأمريكيون- توظيف الحركة الصهيونية لخدمة أهدافهم الاستعمارية في الشرق الأوسط!!.
هذه هي الحقيقة، ولو أعلن جورج بوش أنه يشعر بالأسى، وهو لا يستطيع تجفيف دموع طفل يهودي باكٍ في طريقه لأريحا.
إمبريالي أو إنجيلي
أمورٌ لن تغيِّر من الواقع شيئًا، هو في كل الأحوال استعماري يعاني من تزاحم الأفكار في رأسه، لدرجةٍ يفقد معها القدرة على التعبير بطريقةٍ منطقيةٍ، حتى إن الأمريكيين يعتبرون اللغة الإنجليزية لغتهم الثانية، كما يعاني معاناةً شديدةً في التفكير!!.
هو الرئيس الشؤم؛ فلم يجلب على قومه سوى الدمار والخراب، ولم يعرفوا معه سوى الكراهية والخوف، رغم ذلك كان يتهادى أمامه أقزامُ رام الله ويبتسمون ابتسامات العار؛ فلم يكن عباس أكثر (بلاهةً) منه في ذلك اليوم، كأنهم كانوا ينتظرون القدِّيس الذي سيُعيد إليهم الحق المسلوب!! قدموا إليه القرابين: رقاب إخوانهم في غزة، ومقاومةً أهدروا دمها بين أقدامه الدنسة.
حصل الشرّير في الإمارات على أعلى النياشين، وحينما كان يتراقص بالسيف في السعودية كانت الطائرات والدبابات الصهيونية تدكُّ غزة بالصواريخ لتخلِّف مجزرةً بشعةً قُتل وأُصيب فيها العشرات!!.
لم يجرؤ حاكمٌ عربي أن يستحضر بعض رجولته المفقودة ليؤنِّب نمرود العصر على جريمته؛ فلم تصل دماء غزة المهدرة بعد إلى القدر الذي يؤثر في مشاعرهم المرهفة التي تبلَّدت بين جدران القصور وتحت ظل العروش الواهنة المهترئة!!.
لماذا تأتي زيارة بوش في هذا التوقيت؟!
(1) استمرارًا لدعم أبو مازن الأكثر ضعفًا والأوهن شعبيةً والأقل تمسُّكًا بثوابت وحقوق شعبه، والتأكيد للصهاينة أن أبو مازن- كشخصٍ وزعامةٍ- يمثِّل مرحلةً انتقاليةً في تاريخ الصراع, وفرصةً ربما لن تتكرر؛ لذا يجب عليهم انتهازها بكل الطرق والسبل!!
(2) القيام بحملة (بروباجندا) موجَّهة بالأساس إلى العالم العربي، وهو على وشك مغادرة البيت الأبيض تطارده اللعنات بقصد استعادة البريق لصورة أمريكا في الشرق، ويظهر ذلك في اختيار بعض ألفاظه على سبيل الخداع السمعي: "مستقبل مفعم بالأمل"، "يتعين انتهاء الاحتلال الذي بدأ في عام 1967"، "يمكن التوصُّل إلى حلٍّ يتضمن دفع تعويضات للاجئين"، "القدس قضيةٌ صعبةٌ.. أدعو الطرفين إلى العمل للتوصل إلى حلٍّ وسطٍ بشأنها"!!.
(3) عزل حركة حماس وزيادة الإحباط في صفوف المقاومة عمومًا، بغضِّ الطرف عن الانتهاكات ومشاهد الاجتياحات والقتل اليومي، وكأنها أمورٌ قد اتُّفق عليها سلفًا وحظيَت بالدعم.
(4) زيادة حدَّة الانقسام بين غزة والضفة؛ بإظهاره فريق رام الله ضعيفًا مستكينًا ملتزمًا برؤى الصهاينة والغرب، وأكثر لجوءًا وخضوعًا إليهم- كيف وفَّروا 4 الآلاف جندي لحماية بوش، بينما لا يطلقون رصاصةً واحدةً ضد الجنود الصهاينة أثناء الاجتياحات؟!- بينما فريق غزة هو الأكثر تشدُّدًا وتعصُّبًا.
(5) الإعلان أن قرارات الأمم المتحدة قد عفا عليها الزمن وأن الرؤى الأمريكية لحل الصراع هي فقط التي يمكن التعويل عليها والحسم من خلالها.
(6) التأكيد على يهودية الدولة؛ مما يطرح في المستقبل القريب إمكانيةَ نزع العرب منها وتوطينهم في مخيمات جديدة في بؤر جديدة.
(7) استشراف علاقات الدول العربية بإيران والتعرُّف على مدى استشعارهم الخطر الفارسي.
(8) عقد صفقاتِ سلاحٍ بعشرات المليارات من الجنيهات؛ لضخِّ سيولةٍ نقديةٍ في خزائن الاقتصاد الأمريكي المرهق، وإنقاذ عشرات المصانع الأمريكية من الإفلاس وإخراجها من عثرتها.
(9) إعادة رسم العلاقات مع الزعماء العرب بعد فترة شد وجذب أعقبت مهاتراته المسمَّاة بجلب الديمقراطية والفوضى الخلاَّقة.
مسلمات يجب التأكيد عليها
- ليست هناك أيُّ فرصةٍ لضرب إيران في المستقبل المنظور؛ فالفترة الباقية من حكم بوش لن تسمح له بالتورُّط في مستنقع جديد تؤثِّر على فرص حزبه بالفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
- من المتعارف عليه في الولايات المتحدة أن الأشهر الأخيرة في الحكم يقلُّ فيها الاهتمام بالأوضاع الخارجية، ويكون الغالب هو التركيز على الاقتصاد وتحسين الأمور الحياتية للأمريكيين، وهذه النقطة تحديدًا هي سبب إصرار بوش على توقيع صفقات السلاح مع السعودية.
- لا تشعر أمريكا بالخطر من السلاح الصادر إلى المنطقة العربية؛ بسبب عدم جاهزيته من ناحيةٍ، والثقة المطلقة في المشترين من ناحية أخرى، والتي تصل إلى حدِّ اعتباره مَخزَنًا في قواعد أمريكية خارجية!!.
- تعتقد النظم العربية أن شراء السلاح الأمريكي بهذه الصفقات الضخمة هو أمرٌ إجباريٌّ لا تملك رفضَه أو التبرؤَ منه، وأنه عبارةٌ عن سطوٍ مالي بطريقة مقنَّنةٍ بها شبهة تراضٍ!!.
- يدرك بوش ومستقبلوه أن الزيارة ستؤثر بالسلب على جماهيرية النظم العربية.
- وافق بوش خلال الزيارة على زيادة الضربات العنيفة للقطاع واغتيال عددٍ من القيادات السياسية لحماس، على أن يتم البدء في تنفيذ المخطط عقب عودته!!.
نتائج الزيارة
- زيادة حدة الاستقطاب بين الضفة وغزة، وزيادة نبرة التحدي في خطابات أبو مازن الهزلية.
- تصريحات بوش في رام الله، سواءٌ كانت بقصدٍ أو بدون قصد، أحدثت صدمةً في الكيان الصهيوني تلتها حملةٌ للتشهير به؛ باعتباره شخصيةً متهوّرةً وغير قادرة على الحسم، أعقبتها الضربة العسكرية التي وُجِّهت للقطاع والتي أسفرت عن مجزرة وحشية أدَّت إلى مقتل وإصابة العشرات، وهي التي وصفها الجيش "الإسرائيلي" بأنها عملية روتينية- بمعنى أنها كانت قابلةً للتأجيل- في توريطٍ مباشرٍ لبوش؛ بهدف إفشال زيارته وإحداث وقيعةٍ بين أنظمةٍ لن تكون قادرةً على إبداء الرأي وجماهيرَ ساخطةٍ في ظروفٍ مجتمعيةٍ قد تنتهي بالخروج إلى الشارع وحدوث صداماتٍ داميةٍ!!.
ويحضرني في هذا الموضع إحدى الجمل التي قالها الشيخ نافد عزام أثناء تشييع جنازة الشهيد يحيى عياش منذ أكثر من 12 عامًا: "في فمنا دماءٌ نريد أن نبصقها على الصهاينة".
أعتقد أنه بمرور الزمن أصبح هناك كثيرٌ ممن يستحقون ذلك.