د. حلمي محمد القاعود

 

يثير الباب الرابع في برنامج الحزب المقترح للإخوان (الاقتصاد والتنمية المستدامة) كثيرًا من النقاط التي يفرضها الواقع العملي، ويتضمن الباب حديثًا عن مرجعية التنمية في الفصل الأول، والسياسات الإنمائية في الفصل الثاني، والسياسات السائدة في الفصل الثالث.

 

والحديث عن المرجعية مفهوم؛ حيث يقوم الاقتصاد على أسسٍ إسلاميةٍ بعيدةٍ عن الربا والاستغلال والاحتكار، ويعتمد منهجَ العمل والمشاركة، والانطلاق من غايةٍ تتمثل في عبادة الله بالمعنى الواسع للعبادة، وفقًا لمقولة أصولية فحواها: إن البناء على المقاصد الأصلية يصيِّر تصرفات المكلف كلها عبادات، كانت من قبيل العبادات أو العادات.

 

لقد شخَّص البرنامج مشكلات مصر الاقتصادية تشخيصًا جيدًا من حيث الضعف والبطالة والفساد ومشكلات أخرى، ولكنه لم يتوقف عند المشكلة الأساسية في الاقتصاد، وهي الاستبداد السياسي الذي يسمح بكل هذه المشكلات ويراكمها ويعقِّدها، وفي الوقت نفسه يحمي الفساد والمفسدين، فضلاً عن التبعية المطلقة لدول التوحش الاستعماري وهيئاتها الاقتصادية التي تفرض شروطًا قاسيةً لا يمكن من خلالها تحقيقُ أي استقلال اقتصادي في المستقبل، بل تدمِّر ما هو قائمٌ من كياناتٍ اقتصاديةٍ ناجحةٍ، وتحويلها لصالح حفنةٍ من اللصوص الكبار، الذين برعوا في اقتراض المليارات من مدَّخرات المصريين البسطاء في البنوك المحلية وتحويلها إلى الخارج بعد دفع الفتات منها في شراء هذه الكيانات، وتشريد عمالها ووقف إنتاجها أو احتكاره، واستثمار الأراضي المقامة عليها أو الآلات التي يتم تكهينها وبيعها لآخرين بأثمان مرتفعة بعد شرائها بأثمان بخسة تحت مسمى "الخصخصة"!!.

 

ومع أن البرنامج أشار إلى أن الخصخصة تعني إقامة كيانات إنتاجية ومنشآت اقتصادية جديدة في إطارٍ ما، وليس بيع القائم الرابح، فقد كنت أتمنَّى أن يتم النصُّ بوضوحٍ وصراحةٍ على وقف الخصخصة الجارية، وتشجيع إقامة قطاع خاصٍّ حقيقي من مدخرات المصريين عن طريق التعاونيات الحقيقية التي يشرف عليها أصحاب الأسهم المعنيون، وسبق في الحلقة السابقة أن أشرت إلى ضرورة تشجيع الشركات المساهمة التي يتم تحصينها ضد التأميم أو المصادرة، والسعي لإقامة مشروعات القطاع الأهلي جزئيًّا، أو معظمها في الأراضي غير الزراعية، أو الظهير الصحراوي للمدن والقرى وتشجيعها بالإعفاء الضريبي والجمركي، وإقامة البنية الأساسية من طرق ووسائل اتصال ومواصلات، وشبكات مياه الشرب والصرف الصحي وغيرها.

 

إن الاستبداد السياسي يوقف حال النمو الاقتصادي، ويخيف الناس من العمل الجاد في إقامة المشروعات الكبرى، أو يحبطهم بما يغدقه على كبار الاحتكاريين من امتيازات وعدم مساءلة، بل وتطويع القرارات العليا لإرادتهم ومصالحهم.

 

تأمَّل مثلاً عدمَ سريان قرارٍ لمجلس الوزراء باستيراد الحديد والأسمنت في ظل رفع أسعارهما بطريقةٍ فاحشةٍ ومستفزةٍ ومتحديةٍ!!.

 

إن إعمار الأرض لا يتم إلا في مناخِ الحرية الكاملة، والعدالةِ الدقيقة، والمعرفةِ المتاحة، وهو ما أشار إليه البرنامج في صياغةٍ تحتاج إلى تعديلٍ في السطر الثالث بالصفحة الخامسة والأربعين، فتكون الحرية أولاً، والعدل ثانيًا، والمعرفة ثالثًا.

 

أيضًا فإن حشد المدخرات المحلية يجب أن يكون له أفقٌ واضح؛ بحيث يتيقن المواطن البسيط أن مدَّخراته القليلة ستتحول إلى مشروعاتٍ على أرض الواقع؛ تستوعب عمالةً، وتقدِّم إنتاجًا، وتحقق أرباحًا، وليس بوضعها في بنوك تضارب بها في المجهول.

 

ولست أدَّعي في هذا السياق "تخصصًا دقيقًا"، ولكني أتحدث برؤية مواطن بسيط يتمنَّى أن يجد ما يدِّخره قد أحدث حركةً أو رعشةً خفيفةً تُحرِّك اقتصاد بلاده؛ ولذا لا أوافق أبدًا على القول "إن التمويل عن طريق المداينة بفائدة مرفوضٌ إلا في حالة الضرورة أو الحاجة أو عموم البلوى" (ص 47).

 

واعتقادي الشخصي أن الضرورة والحاجة وعموم البلوى ليست قائمةً في مصر بالمعنى الشرعي، ولن تقوم بمشيئة الله، ويوم تكون هناك حكومةٌ غير مستبدة، ومعبِّرةٌ عن عموم الشعب وتأخذ بإرادة هذا الشعب، فإنها تستطيع أن توفِّر نصف الميزانية الحالية التي تنفق في وجوهٍ غير ضرورية.

 

وتأمَّل مثلاً ميزانيةَ وزارة الدعاية، ووزارة الثقافة، ووزارة الداخلية (الأمن المركزي بالذات)، ووزارات أخرى لا ضرورة لها: البيئة، التعاون الخارجي، التنمية الاقتصادية، الإدارة المحلية، الرياضية، بل إن وزارة التربية والتعليم- بوضعها الحالي- ليست ضروريةً، ويكفي أن تقوم إدارة الامتحانات بدورها.

 

أظن أن توفير هذه الوزارات، مع ترشيد الإنفاق الحكومي في الوزارات المتبقية يجعل الضرورة أو الحاجة أو عموم البلوى غيرَ قائمة.

 

إن نظام الفائدة ثبت أن ضرره أكبر من نفعه، وأنه لا يُثقِل الدولة بالديون فحسب، بل يقيِّدها بأصفاد التبعية والإذلال والتفريط في الكرامة الوطنية والقومية، والشواهد حاضرةٌ أمام كل العيون والعدسات أيضًا.

 

لقد أعجبتني مقالةٌ رمزيةٌ جاءت على هيئة قصة للدكتور "محمد يوسف عدس"، تحدَّث فيها عن أربعة أشخاص يعيشون في جزيرةٍ منعزلةٍ بالمحيط، هبط عليهم مغامرٌ، وصنع لهم عملةً، وأقرضهم بالفائدة، فتكاثرت ديونهم حتى تمكن من تسخيرهم لخدمته تمامًا، وتسليمه حصاد إنتاجهم ومجهودهم، وفي النهاية ثاروا عليه، واكتشفوا ألاعيبه وأكاذيبه، فلم يكن في يومٍ ما يسعى لخدمتهم، ولكنه كان يهدف إلى السيطرة على الجزيرة ومن فيها!!.

 

مصرُ مليئةٌ بالخيرات، ويومَ تتحرر سياسيًّا ستتحرر اقتصاديًّا واجتماعيًّا، وستحقق تقدُّمًا حقيقيًّا إلى الأمام، وليس تقدُّمًا إلى الخلف، وإليكم تجربة "العدالة والتنمية" التركي مرةً أخرى؛ فالقضاء على الاستبداد والفساد فَتَحَ الطريق لوزير الاقتصاد التركي ليقول: "نحن لم نعد بحاجةٍ إلى صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي".

ونواصل إن شاء الله.

--------------

drhelmyalqaud@yahoo.com