في أحيانٍ كثيرةٍ لم تمنع ظروف الاحتلال البعضَ من الارتماء في أحضان المحتل!!.
أؤمن دائمًا أنَّ استشراف المستقبل في زمن الحرب دربٌ من الخيال؛ فالأحداث تتسارع والواقع يتغير، كما أن الكتابة التسجيلية والتقريرية تصبح نقطةَ ضعفٍ، والبعد البؤري لعدسات المراسلين يسجِّل ما تعجز الكلمات عن وصفه، لكن تبقى إشاراتُ ما بعد الأحداث علاماتٍ فارقةً يمكن الوقوف عندها..
في عام 1939 قال شافتسبري مقولته الشهيرة: "أرضٌ بلا شعب لشعبٍ بلا أرض"، حينها بدأ التنفيذ الفعلي لهجرة اليهود إلى فلسطين.
تذكر غادة الكرمي أن أمها كانت تقول عن العيش في لندن: "إنني سأصبر على وجودي هنا؛ لأنني أعلم أنه لن يدوم طويلاً".
بعد ذلك سقطت كلمة "العودة" من قاموس الفلسطينيين، حتى إن الرئيس الراحل عرفات حينما عاد ومعه ما كان يُطلَق عليهم وقتها ميليشيات تونس (اعتبر ذلك إنجازًا، ولم يطالب بسواه)، ثم أصبحت هناك مسافات تقارب بين الفريقين الوارد الجديد والمحتل القديم، ثم أنجب تزاوج السلطة مع الاحتلال في الواقع الفلسطيني نوعًا شديدًا من الاستبداد لا يقل عن مثيله في الواقع العربي.
من ذلك على سبيل المثال لا الحصر:
(1) إبراهيم المقادمة- القيادي في حماس- قضى ثمانية أعوام في سجون الاحتلال، لكنها لا تضاهي السنوات التي قضاها في سجون غزة؛ حيث تعرَّض لعمليات تعذيب بشعةٍ أدَّت إلى كسر قفصه الصدري وتجمعاتٍ دمويةٍ في مناطق مختلفة من جسده، وحتى يوم استشهاده كانت آثار السياط باديةً على جثمانه بتهمة معارضة أوسلو.
د. المقادمة كان العقل المدبر لكتائب القسام، وكان الصهاينة عندما أوشك على الخروج من سجونهم يقولون: "لا ندري كيف سيكون القطاع والمقادمة حرٌّ طليقٌّ به؟!"، لكن الأمن الوقائي سهَّل عليهم المهمة!!.
(2) عماد عوض الله بعد ليالٍ طويلةٍ قضاها في ضيافة الأمن الوقائي؛ حيث أُطفئت السجائر في جسده، تُرِك ليفر بعد زرع أجهزة تنصت في أذنيه، وحينما التقى بعد أسبوعين بأخيه عادل عوض الله- قائد كتائب عز الدين القسام- استشهدا ليلاً على يد قوات الاحتلال، وأصبحا رقمين في قبر إسرائيلي!!.
(3) قادة القسام في نابس قتلتهم وحدةٌ صهيونيةٌ خاصةٌ بعلم الأجهزة الأمنية الفلسطينية؛ حيث تم إخلاء الحاجز الأمني الفلسطيني قبلها بساعات؛ تمهيدًا للاجتياح!!.
الشيخ يوسف السركجي قُطَّعِت أصابع يده ورجله قبل قتله!!، واقتلعَت عينا كريم مفارجة وبترت يمينه!!.
وحمَّل حسام خضر- القيادي في فتح- بعض شخصيات السلطة المسئولية، ووصفها بـ"شرطي إسرائيل اللحدي".
(4) تسليم الكيان خليةَ صوريف!!، ووضع الشيخ أحمد ياسين تحت الإقامة الجبرية، واعتقال معظم قادة حماس بمن فيهم الرنتيسي ومحمود أبو هنود، ونزع لحية د. محمود الزهار وحاجبيه وتهديده على لسان نبيل عمرو في أحد البرامج التليفزيونية على الهواء!!.
(5) في أغسطس 2003 ارتدى محمد دحلان- الذي يتم تداول صوره وهو يحتسي الخمور مع المجرم موفاز- واقيَ الرصاص، وأعلن حربًا شاملةً على حماس.. حرب لم توقفها إلا دماء إسماعيل أبو شنب- الرجل الثاني في الحركة- الذي قصفته الطائرات بعدها بدقائق!!.
(6) كانت القيادات الحاكمة تتنافس وتتساقط في فخ الاحتلال بالمال والنساء والتهديد باللقطات الإباحية، وقادة المقاومة يسقطون قتلى: صلاح دروزة, جمال سليم, وجمال منصور, وصلاح شحادة, والمقادمة، والرنتيسي, والشيخ ياسين... إلخ).
هذه الملابسات المخجلة لا تحتاج إلى شواهد لتؤكدها، وهي دليلٌ قاطعٌ على عدم عشوائية الأرقام التي حصلت عليها فتح في الانتخابات المحلية والتشريعية، لكنهم رفضوا النتائج وعاشوا حكامًا بصلاحيات دون مسئوليات!!.
ورغم الاختلافات والمنازعات بين فرقاء فتح، فإن ذلك لم يمنع توحُّدهم أمام وسائل الإعلام؛ فالمطاريد السابقون عادوا مرةً أخرى مستشارين ومنسقين وناطقين باسم الرئاسة، عادوا للتشفي في الشعب الذي لفظهم، يستقلون السيارات الفارهة، يستندون على ملايين الدولارات التي اغترفوها، ويستأسدون للعودة إلى منابعها من جديد، وقد فضحت كنوز تل الهوى الاستخباراتية بالأرقام والمستندات الكثيرين!!.
ما بين فتح وحماس لم يكن وليد اللحظة، لكنه كان بركانًا يغلي من الغضب استتر طويلاً بين كاريزما عرفات وسعة صدر الشيخ ياسين.
ممارسات سميح المدهون وقتلُه للأبرياء بعد قطع أطرافهم وإجبارُه النساء على السجود أمام قدميه لم يشعل الفتنة، ولا قتل عمر الرنتيسي ولا تدمير الجامعة الإسلامية ولا الجثث المتحللة التي عُثِر عليها في مقرات الأمن الوقائي برعاية رشيد أبو شباك أشعلتها.
(كيت دايتون) أشعلها عندما لعب على وتر مفترق الطرق "حماس وفتح اتجاهان لا يمكن لهما الالتقاء".
ألَّف محمود عباس كتابًا عن أوسلو من 600 صفحة لم يصف فيه الكيان الصهيوني بالاحتلال, بينما مات الشيخ ياسين وهو يحلم بالعودة للجورة بعزمٍ شديدٍ!!.
يقول موسى أبو مرزوق في مقالٍ له منشور في لوس أنجلوس تايمز:
"أعيش لكي آري اليوم الذي يمكن أن تقول لي "إسرائيل" فيه: هذا منزلكم بالقرب من البحر، وهذه أشجار الزيتون خاصتكم، وهذه مزرعة الليمون التي كان يرعاها والدكم.. عودوا وعيشوا مع بعضكم بعضا كما كنتم, حينها يمكن أن نجلس سويَّا للحديث عن المستقبل".
تَتَرُّس فتح بضغوط الخارج لن يجديَها، ولن يؤمِّن زكريا الزبيدي ولا مطاريد فتح- شبيبة الاحتلال- الأمن لعباس, ولن يقدم له الإسرائيليين أو الأمريكيين إلا ما قدَّموه لعرفات من ذلٍّ وسمٍّ وعارٍ وإطاحةٍ بنضالٍ وبطولاتٍ, كما أن استمرار حكومة حماس من عدمه لن يؤثر على تواجدها في الشارع الفلسطيني، يكفي أن قادتها جابوا الآفاق يجمعون الفتات ليدخلوه في مشهد دراماتيكي إلى الأرض التي احترف مسئولوها إخراج الأموال منها.
هم يطمِّعونك لتكون لهم شريكًا!!
والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لم يستغل أبو مازن فرصة سقوط قادة الأجهزة الأمنية وافتضاح عمالتهم ليتخلص من سيطرتهم عليه للأبد؟، وماذا أنجز منذ سيطرة حماس على غزة؟.
- رقَّى الهالك سميح المدهون إلى رتبة مقدم.
- جلس مع أولمرت مراتٍ عديدةً يتبادلان- ببلاهة- القُبُلات والحب والشوق.
- أعطى رواتب للفتحاويين، وجعل باقي الفلسطينيين يتضورون جوعًا.
- اتهم سوريا وقطر وإيران بمحاولة اغتياله، وملأ الأرض صراخًا وعويلاً.
- ارتمى في أحضان أمريكا, واستسلم لمستشاري السوء حوله.
- فكك كتائب شهداء الأقصى, ووأد المقاومة, وعزل هاني الحسن!!.
- شارك في قمة أنابوليس، وأعطى الاحتلال شرعيةً لخنق غزة وحصارها وقصفها.
وفي النهاية ستكون نهايتُه حصارًا في رام الله.
إن دعم بوش لأبي مازن سراب, كالدعم الذي يقدِّمه لجنوده في العراق (نعوش طائرة، وموسيقى جنائزية، وأكاليل ورايات)!!.
حماس تستمد قوتها من التاريخ, وهي أكبر من العشرين عامًا التي تمثِّل مسيرتها؛ لذا أعتقد أن السيناريو المطروح:
إما بقاء الأوضاع كما هي عليه بتثبيت الانفصال وتأصيل الانقسام والالتفاف على كل طرفٍ على نفسه.
أو هجوم كاسح على حماس لن يدمرها ولكنه سيهدد كل الأنظمة المهترئة الضعيفة في المنطقة؛ لذا هي لن تسمح بذلك، وستحاول التقريب بين حماس وأبو مازن (المذعور الغاضب لكرامته).
هذه الكلمات الغاضبة التي سقتها لم تكن تعريضًا بجانبٍ على حساب آخر؛ فلم يكن الهدف سوى تذكير أطراف النزاع بمظالمَ وبطولاتٍ لا بد من التوقف عندها؛ ليدرك كلٌّ منهم رصيدَه؛ لعله يعيد اللحمة إلى أواصر الشعب الفلسطيني بشرًا وأرضًا.
لم يعد أمام أبو مازن الكثير.. إما التجاوب مع دعاوي العقل، أو الموت عارًا كاللحديين.
أعتقد أنه للحالة الثانية أقرب!!.