![]() |
|
شعبان عبد الرحمن |
تابعتُ كغيري زيارة الرئيس بوش للأراضي الفلسطينية، وأتابع في نفس الوقت المشاهد "القاتمة" التي تتوالى على الأراضي الفلسطينية من غزة إلى الضفة الغربية، ومن القدس إلى المعابر، وهي مشاهد تختلط فيها المحنة بالصمود، والعمالة المفضوحة بالوطنية والتضحية.
فسلطة الرئيس محمود عباس لم تعد تترك أي ثغرة للتأويل أو التماس الأعذار عن مسالكها ومواقفها المتحالفة والمتوافقة مع المواقف والمخططات الصهيونية.
لقد بتنا بصراحة- ونحن نتابع الأحداث الدائرة هناك- لا نستطيع التفريق بين أداء، ووجهة قوات السلطة من جهة وقوات العدو الصهيوني من جهةٍ أخرى، فالوجهة واحدة وهي الهجوم على المساكن، والمساجد لاعتقال كل من يشتم فيه رائحة المقاومة، ولم نعد نستطيع التفريق بين الطريقة التي تنفذ بها "السلطة" هجماتها وطريقة الصهاينة.. لقد صارت قوات السلطة أشبه بكتيبة أو لواء ضمن قوات العدو؛ تأتمر بأوامره وتنفذ ما يطلبه، وفاء لبنود "خارطة الطريق" المشئومة، التي تلزم السلطة بالقضاء على "الإرهاب" أي المقاومة، أي كوادر حماس وغيرها، وهي "الخارطة" المجحفة التي لم ينفذ الصهاينة منها بندًا واحدًا!
وعلى سبيل التذكير لا الحصر، ففي يوم الأحد 6/1/2008م، تابعنا حملتين في توقيت واحد على أبناء المقاومة في الضفة، إحداهما لقوات العدو، والأخرى لقوات السلطة، هجوم همجي على المنازل والمساجد والقرى والبلدات، وقد أسفرت حملة العدو عن اعتقال خمسين فلسطينيًّا منهم ثلاثون من حركة حماس، وأسفرت حملة السلطة عن اعتقال 51 فلسطينيًّا منهم 35 من حماس، وتبرير الناطق باسم الكيان الصهيوني عن حملته يكاد يتطابق مع تبرير سلام فياض، رئيس الوزراء الفلسطيني، وهو مقاومة "الإرهاب"!.
لقد انتهى الأمر، وأصبح موقف سلطة عباس متناغمًا مع موقف الصهاينة إن لم يكن متقدمًا عليه!!
إن كان ذلك هو موقف "السلطة" من المقاومة.. فهل الطفل والشيخ والمرأة التي تموت في اليوم الواحد مرات ومرات في حصار غزة، هل هؤلاء إرهابيون حتى تشارك قوات عباس في حصارهم، ويحرض عباس العالم على عدم فك الحصار عنهم أملاً منه في سقوط حماس؟! وتتدفق وفود من أعضاء الكونجرس إلى الحدود المصرية لمعاينة إحكام الحصار بأنفسهم، ولئن سألتهم سيقولون نحن نحاصر الإرهاب!! وهل العالقون على معبر رفح منذ أكثر من سبعة أشهر إرهابيون يستحقون كل هذا التشريد والشتات حتى يستحث عباس أمريكا والكيان الصهيوني الضغط على مصر لعدم السماح لهم بالمرور؟! إن الحجاج مرّوا بسلامة الله.. لكن العالقين الآخرين ما زالوا هناك يفترشون الأرض في صحراء "العريش" و"رفح"!.
وهل القدس بمسجدها الأقصى- وما يقع عليه من اعتداءات يومية تهدد وجوده- يقع في دائرة الإرهاب حتى تُصاب السلطة "بالخرس" و"البكم" لهذه الدرجة؟!!.
وهكذا هجمات مشتركة على المجاهدين في الضفة، وصمت "القبور" على القتل اليومي لعائلات بأكملها في غزة وسط الحصار، وعلى ما يجري في القدس!! وفي وسط كل هذه الأحداث طل علينا عباس منتشيًا سعيدًا وهو يستقبل بوش، ويطل علينا بين الحين والآخر معانقًا أولمرت في القدس المحتلة، وموزعًا ابتساماته على كاميرات الإعلام، وهما يلتقيان لبحث "إطلاق مسيرة السلام..."إنه حقًّا سلام!!.
وقبل زيارة بوش للمنطقة التقى رئيس الوزراء الصهيوني بالسيد محمود عباس، وقد أُحيط استقبال أولمرت لعباس بهالة إعلامية ضخمة، ركَّزت على خروج أولمرت عن عاداته وطبيعته الجامدة إلى الإفراط في الترحيب بعباس، وتلقفه لدى وصوله "عباس" بالأحضان بطريقة لافتة كانت مفاجئةً لعباس نفسه، وعندما دخلا إلى صالة الاجتماعات استبق أولمرت عباس ليسحب له الكرسي المعد لجلوسه، وقد فاجأت تلك الحركة مساعدي أولمرت، كما علَّق عليها بعض المراقبين الصهاينة بالقول: "إن أولمرت تقمَّص دور عرفات في توزيع القبلات...".
إن أولمرت لم يصب بالجنون بعدُ حتى تصدر منه تلك التصرفات؛ وإنما هو في قمة العقل والـدهاء، إنـه يعرف طبيعة من يلتقيه وأهميته، إنه يدرك تمامًا أنه أمام شخصية فريدة حقًّا.. في قناعاتها ورؤاها وأفكارها بالنسبة للقضية الفلسطينية، شخصية تعتبر المقاومة إرهابًا، وإطلاق الصواريخ عبثًا وتخريبًا، وحماس والجهاد وتيار المقاومة عقبة تجب إزالتها، شخصية لا تمانع في التنازل عن أي شيء لإرضاء واشنطن، وخدمة المشروع الصهيوني، هي إذن شخصية فريدة لا يمكن أن تتكرر في التاريخ الفلسطيني بسهولة؛ ولذا فهي شخصية الفرصة النادرة لتحقيق الحلم الصهيوني، وإغلاق ملف القضية الفلسطينية للأبد، لا قدر الله!.. فلماذا لا يأخذه أولمرت بالأحضان، ويسحب له الكرسي ليجلس عليه؟ وما المانع أن يضبط له أولمرت هندامه بل ويحمله على أم رأسه ليجلسه في أي مكان يريد؟ فكل تلك- كما يعلم الجميع- حركات "نفخ" وتعظيم حتى يصدق "الرئيس" أنه "رئيس" بل وزعيم، والثمن الذي يرنو إليه أولمرت هو فلسطين، ولا بديل عن فلسطين!.
وعندما وصل بوش إلى الأراضي الفلسطينية كان أولمرت قد مهد له الطريق جيدًا ليؤكد على ما يحلم به الصهاينة: يهودية الكيان الصهيوني ليكون كيانًا خاليًا من الجنس العربي، وإسقاط حق عودة ما يقرب من خمسة ملايين لاجئ، ودعم محور عباس لتصفية المقاومة الفلسطينية، والمقابل الذي أعلنه بوش للفلسطينيين كان مقابلاً فضاضًا وضبابيًّا، وكل الشواهد تؤكد أن كل المسارات على صعيد مفاوضات السلام المزعوم بين السلطة الفلسطينية والصهاينة ستظل متجمدة باستثناء التعاون الأمني الذي يرمي إلى هدف واحد هو تصفية المقاومة الفلسطينية، والقضاء على كل قوى الممانعة والمقاومة في الساحة الفلسطينية، وفي القلب منها "حماس"، نظير بضعة مليارات سيتم إتخام خزائن السلطة الفاسدة بها، وعدة شحنات من الأسلحة لتكون آلة الحرب الفتاكة ضد أبناء الشعب الفلسطيني ومقاومته!
-----------
(*) كاتب مصري- مدير تحرير مجلة "المجتمع" الكويتية- haban1212@hotmail.com
