باعتبار أن البيانات الرسمية في الدول العربية تلتزم بأصول البروتوكول السياسي في تناولها لحدثٍ ما ولو على سبيل الاعتبارات الإنسانية، فهي تبقى قاصرةً بل ومعزولةً عن الحس الشعبي في إطار حجري يمنعها المصداقية.

 

لذلك كانت التصريحات التي تلت رحيل الرئيس السوري حافظ الأسد الذي أفضى إلى ربه في الذكرى الثالثة والثلاثين للهزيمة في حرب حزيران 1967- والتي ستلي من يرحل بعده- باهتةً ومشوّهةً.

 

فالرجل الذي- على زعم البيانات- عمل طوال حياته بإخلاص وتفانٍ من أجل صالح الأمتين العربية والإسلامية، لم يستطع طوال حياته أن يدفع عن نفسه الكثير من الشكوك، سواءٌ في دوره في سقوط الجولان، أو هزيمة جيشه أمام الجيش الأردني، أو في ملف حقوق الإنسان تحديدًا.

 

رفض الأسد أن يتحمَّل النقد، ورفض أن يقف في الذاكرة التاريخية لشعبه متهمًا، وفرض براءته بقوة السلاح، فغرقت سوريا في بحرٍ هائلٍ من الدماء، وداست أحذية جيش الدفاع على أشلاء الأبرياء، وهتكت الأعراض، ودمَّرت مدينة "حماة"، وأقامت على أنقاضها استقرارًا في عموم سوريا سياجه القهر والخوف، وأسوارًا تلاشت خلفها الإنسانية، مخلفةً أشباحًا آدميةً كانت في يوم من الأيام في ذاكرة الأمة المنكوبة زخمًا فكريًّا وعلميًّا هائلاً.

 

في سجل الأسد مئات الآلاف من المهجَّرين لم يلتزموا بأصول العيش الهادئ ولا بمتطلبات الاستقرار في الدول العربية، وطلبوا الحرية والعدل.

 

في سجل الأسد تبقى الجولان محتلةً في انتظار كلمة السلام التي طال أمد تكوينها في ترياق الحية الصهيونية.

 

وإذا كان الأسد قد ساهم بحال في جلاء القوات "الإسرائيلية" عن لبنان، فهو قد أقام جدارًا أمنيًّا سميكًا؛ فقد وفر لها الأمن على امتداد حدوده.. لم يكن الأسد بطلاً للحرب كما يدَّعي الإعلام السوري، وإنما كان بطلاً للهزيمة.

 

هذه المشاهد التي مررنا عليها ليست تشويهًا لتاريخ الأسد الملك الذي أضحى في ذمة الله بعد أن أعطى التاج لابنه في سابقةٍ هي الأولى من نوعها- ففتح بذلك الطريق- بقدر ما هي قراءةٌ لعهد بشار الذي دخل عالم السياسة والحكم مضطَّرًّا، فلم يُضِف جديدًا، ثم تمر السنوات ويجدد له البرلمان السوري لفترةٍ ثانيةٍ.

 

تمر منها سنة أولى

بشار- كما وصفته وكالة (سانا) السورية- حينها يتصف بسعة الصدر، وحدة الذكاء، والتميز والتواضع والخلق الرفيع.

 

وأضيف أنا: "اللباقة والقدرة المبهرة على الحديث، والتأثير والإقناع" كمفرداتٍ ربما لا يجاريه فيها أحد؛ لذا كان من المتوقع أن يُسقط هذه الصفات على أرض الواقع، ويُحدث تغييرًا جذريًّا، ويعوِّض الشعب الذي عاش أجواء حرب حقيقية استُخدمت فيها القاذفات والمجنزرات، وقُصفَت القرى والمدن، وشُيِّدَت بها المقابر الجماعية، لكن بعد ثماني سنوات كاملة لم يتغير شيء، وبقيت الأوضاع كما هي.

 

لا وجود لمساحات تعبير أو حرية رأي

المحاكمات الجائرة بحق نشطاء حقوق الإنسان مستمرةٌ بلا حد أدنى من الضمانات، النظام الانتخابي باقٍ كما هو الأغرب على وجه الأرض؛ حيث يحصل البعث على 131 مقعدًا مقدمًا، والبقية الباقية للمقاعد يقتسمها مع خدمه وأتباعه ومريديه.

 

مزيد من الفقر والغلاء والفساد والاحتكار!!

 كما لم يتأثر الملك بعبرات المهجَّرين الذين قضى بينهم دهرًا في بريطانيا طبيب عيونٍ مرهف الحس، وقد قتلهم الشوق والحنين إلى موطنهم.

 

ما بين صورة سوريا الخيال التي تتزاحم في مخيلة السفيرة بثينة شعبان وهي تتحدث بدموعها عن طفولتها وصباها، وعن ذكريات عطف وحنان الرئيس الأسد، وبين سوريا الواقع أمام عين الناشط الحقوقي هيثم مناع بونٌ شاسعٌ؛ فسوريا كما يراها مناع "تموت ببطء على أيدي أجهزة مخابراتها".

 

لم تكن إشكاليةُ الجمهوريات الملكية أبدًا- كما وضَّحت- في سوريا وجهَ الاختلاف بين قسوة الأب وبراءة الابن؛ فكلاهما كان "أسد" وإن اختلفت الملامح والمفردات!!.

 

لم يقف بشار طويلاً- وهكذا سيكون جميعهم- أمام مفترق طرق: إما التخاصم أو الامتداد، بل تصالح بشار مع عهد أبيه؛ فما زال في السجون السورية الآلاف، ولن تعدم عين راصد شريط الأنباء وهو يحمل معلومات عن تعذيب واعتقالات وإهانات وراء وجه متحضر ولهجة ثورية!!.

 

هذا فعْل بشار، فكيف ستكون أفعال (ولاة عهود جدد) قساة بالفطرة، متكبرين بالاكتساب، موصومين بالغرور والتسرع، منحازين إلى بيئات أخرى لم تعرفها الشعوب؟!

 

لم تكن تجربة بشار في الحكم مشجعةً بأي حال من الأحوال، ومثلها ستكون كل التجارب ولو أقسم سماسرة الحكم والمنتفعون والمحركون!!؛ فمسرح العرائس هش، والبطل ليس منا!.

 

ولكن إذا كانت الظروف قد فرضت علينا سلبيةً واستسلامًا في مواجهة ما يفرضه علينا صناع القرار في بلادنا، ومع الوضع في الحسبان أن نموذج (الأسد- بشار) أصبح سيناريو جاهزًا للتطبيق مرةً أخرى ويجري تسويقه على قدم وساق.

 

فلا أقل من أن نطالب بالترقيع والترميم المجتمعي حتى حين؛ أملاً في تكاتفٍ قد يصمد أمام المخاطر الواردة إلينا في قوة وعنفوان.