"لا مرحبًا بك في أرضنا".. كلمات تقولها كل شعوب المنطقة العربية عندما تطأ قدم بوش أرضها.. ترفض استقباله، ترفض أن يلوث زفير تنفسه هواه، أن تدنس أراضيَها قدماه، أن تلوث يديها يداه.

 

بالطبع يختلف هذا الاستقبال عن استقبال رؤساء أو حكَّام هذه المنطقة.. سوف يفرشون له السجاد الأحمر، وتستقبله الفتيات بالورد، وتعزف المعازف، وتنطلق الأهازيج وكأنه الحبيب الذي جاء بعد صبر وانتظار.

 

ألا يدرك هؤلاء الحكام أن بوش له ضحيتان سابقتان، هما العراق وأفغانستان؟!.
لقد قُتل في العراق وحدها نحو 1.5 مليون عراقي، سفك دماءهم، قتل أطفالهم، هدم بيوتهم، والغريب أنه قال إن ذلك من أجل نشر الحرية والديمقراطية في العراق، ولم ينشر إلا الدماء والجثث والأشلاء.

 

مزَّق البلاد وشرَّد العباد، وكذلك فعل في أفغانستان.. غارات جوية، قصف مستمر، برغم ذلك لم ينتصر لا في العراق ولا في أفغانستان.

 

الأبواق الصهيو أمريكية- العربية سابقًا- تروِّج أن زيارته ليس لها غرضٌ إلا دفع عملية السلام، وكأن هناك فعلاً سلامٌ ولكنه معطَّلٌ، وكانت أنابوليس لدفع عملية السلام.

 

يا سادة.. ليس هناك سلامٌ بين العرب و"إسرائيل"؛ ما زالت "إسرائيل" تقتل الفلسطينيين، حتى في يوم زيارته قتلت وجرحت أكثر من 15 فلسطينيًّا، ويوم انعقاد أنابوليس اقتحمت غزة وقصفت وقتلت بلا هوادة، لم تترك طفلاً ولا شيخًا.

 

ثم هل بوش قادرٌ فعلاً على أن يصنع سلام؟!.. بالطبع لا، لا هو ولا أولمرت ولا عباس؛ فهؤلاء الثلاثة العجزة في أدنى معدلات الشعبية لهم، ها هم اليهود يهدِّدون أولمرت بالاغتيال إن تنازل عن مستوطنة واحدة.

 

شعبية بوش أقل من 30%، فهل ينجح في نهاية دورته ما عجز عنه طوال دورته وما عجز عنه الرؤساء السابقون؟!.. بالطبع لا، وهل يملك رئيس أمريكي أن يكون غير لعبة في "الموبيت شو" على مسرح السياسة في أيدي اليهود؟!.

 

وها هو بوش يؤكِّد عندما وطأت قدماه أرض فلسطين، يقول: "أتعهد بالحفاظ والدفاع عن الأمن الإسرائيلي، وأتعهد أن إسرائيل وطن قومي للشعب اليهودية (يهودية الدولة)".

 

وما تحمله هذه الكلمة من دلالات ومعانٍ حول:

(1) عنصرية الدولة (الأبارتيد).

(2) إنهاء حق العودة لـ 6 مليون فلسطيني والقرار 194.

(3) لا عودة لحدود 49، ولا حدود 67.

(4) طرد عرب 48، وقدرهم 1.5 مليون فلسطيني.

 

لم يتلفَّظ بوش بكلمةٍ حول الحصار والدمار الذي فرضه الكيان الصهيوني على غزة؛ مما يهدد بجعلها أكثر المناطق في العالم المعرَّضة لكارثةٍ إنسانيةٍ؛ لنقص وانعدام الغذاء والدواء، لم يعترض على القتل الوحشي المستمر بطائرات الأباتشي حتى وهو يجلس مع أولمرت.

 

لم يتحدث عن الجدار العنصري أو عن المستوطنات أو عن اللاجئين، لم يتكلم عن شكل الدولة المزعومة، وها هو أولمرت يقول: "لا يملك بوش فرض شكل الدولة".

 

الكيان الصهيوني صار يفرض رأيه على أمريكا وعلى المجتمع الدولي إن كان هناك مجتمع دولي.

 

إن أهداف زيارة بوش الحقيقية هي:

الهدف الأول:

بناء تحالف عربي ضد إيران، وفتح الأراضي العربية وجعلها (منصةَ هجومٍ ضد إيران) تنطلق منه القاذفات والصواريخ كما حدث مع العراق تمامًا بتمام، رغم أن الاستخبارات الأمريكية أعلنت أن إيران أوقفت برنامجها النووي منذ عام 2003م، لكن الإدارة الأمريكية قالت: إن كانت إيران أوقفت البرنامج، لكنها تملك العقول والقدرات إن أرادت التخصيب في أي وقت فعلت.. تحاسب على الاحتمالات، رغم أن الكيان الصهيوني يملك ترسانة نووية تهدد كل دول المنطقة.

 

الهدف الثاني:

إدخال المنطقة في صراع طائفي إسلامي- إسلامي بين الشيعة والسنة، كما صنعت أمريكا في العراق، والترويج بخطرٍ محتملٍ على حساب خطر حالٍ، والخطر المحتمل هو (إيران)، والخطر الحالي هو (العدو الصهيوني)، وأمريكا تريد أن تقول إن الخطر الأوحد والحالي هو إيران.

 

الهدف الثالث:

بناء تحالفٍ بين الأنظمة العربية ضد الإسلام المقاوم ضد حزب الله، ضد حماس، ضد إيران.

 

الهدف الرابع:

تقسيم المنطقة العربية بين محورين: محور الشر، ومحور الاعتدال، والأول مكون من حزب الله، وحماس، وإيران، وسوريا، ولبنان.

 

لا يدرك بوش أن العالم سوف ينقسم إلى محورين: محور الشر تقوده أمريكا، ومحور الخير تقوده شعوب العالم الذين يرفضون:

(1) تنميط العالم إلى شكل اقتصادي.

(2) احتلال أراضي الغير بالقوة.

(3) القوة السبيل الوحيد لحل النزاعات الدولية.

(4) رفض أن تكون إيران هي الضحية الثالثة لأمريكا بعد العراق وأفغانستان.

 

وفي النهاية

- لا حلَّ للأمن القومي العربي إلا بالوحدة خلف مشروعٍ إسلامي حضاري يواجه المشروع الصهيوني الغربي، مشروع يوظف الطاقات والقدرات (اقتصادية- سياسية- عسكرية- إعلامية).

 

- لا حلَّ إلا بدعم المقاومة في فلسطين وفي لبنان وفي إيران؛ فالعدو هم الصهاينة، هم الخطر الحالي والأكبر، والذي يستهدف اجتثاث الإسلام من أصوله.

 

- يجب تكوين تحالفات شعبية عالمية معادية للسياسيات الأمريكية، تندد بها وتفضح وتنادي بالكراهية، وتقطع العلاقات معها وترفض التعامل معها.

 

- ليس صعبًا أن ننتصر على الكيان الصهيوني وأمريكا إن توفَّر أمران:

1- مفهوم الوحدة ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: من الآية 103).

2- عقيدة اليوم الآخر ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ﴾ (التوبة: من الآية 111).