![]() |
والجواب ببساطة شديدة أن مناقشة برنامج الحزب المستحيل، نوعٌ من الحلم حتى يأذن الله، وينال شعبنا البائس حريته، ويستعيد هويته، ويملك إرادته، ويكون قادرًا على العمل والفعل والانطلاق.. ولا بأس أن نحلم ونتمنى حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولاً، ثم إنَّ معظمَ الإنجازات كانت مجرَّد أحلامٍ وأمانٍ.
أما المسألة الثانية فهي ما يكتبه بعض اليسار المتأمرك باسم مناقشة برنامج الحزب المستحيل، وهي ليست كتابةً بالمعنى العلمي، ولكنها لعبٌ بالنار وتهييج وإثارة، واستخدام للورقة الطائفية استخدامًا خسيسًا للتحريض على الإسلام.. نعم الإسلام، وليس الجماعات الإسلامية، أو حتى المسلمين في جموعهم.
يقول أحدهم في صحيفةٍ سيارة: "لو تخيلنا أن عميد الأدب العربي بُعث من قبره هذه الأيام، وأقام ندوةً في قاعةٍ صغيرة، فالأرجح أن عددَ الحاضرين لن يتجاوز بضع عشرات، ولو افترضنا أن الداعية عمرو خالد أقام في نفس الليلة أُمسيةً دينيةً في إستاد القاهرة الدولي، فالأرجح أنه سوف يمتلئ عن آخره، لا وسيكون هناك تجمهر من المريدين في الخارج يُمنعون من الدخول؛ نظرًا لامتلاء الإستاد".
وقال آخر في صحيفة يومية سيّارة: "القضية من وجهةِ نظري هي المؤامرة على وحدة الوطن وعلى هويته الوطنية، التي تنسجها منذ عقود الجماعات الدينية والإخوان المسلمون وغيرهم من دعاة الإسلام السياسي، منذ أن أفاقوا من هول عبد الناصر، وأخرجهم السادات من جحورهم في مطلع السبعينيات، تلك الهوية الوطنية التي أنضجتها جهود المسلمين والأقباط عبر تاريخهم الطويل، والتي أنتجت أشكالاً موحدةً من الزي والطقوس والمجاملات الاجتماعية والاحتفالات والعادات والتقاليد، والاحتفالات والفنون والمثل السياسية والثقافية والأخلاق..".
والقول الأول يفترض أن المثقفين جنس آخر، ليس من بينه المسلمون، ولا يجوز للمسلم أن يكون مثففًا مثل بقية المثقفين يملك العلم والمعرفة والخبرة والثقافة والقدرة على فهم ما يجري من حوله داخل وطنه، وخارجه، وأن المسلم إذ تحلَّق حوله الناس، فهو دليلٌ على جهلهم وعدم عقلانيتهم، وسيرهم كما القطيع وراء الراعي، وهو ما يدل عليه الواقع؛ حيث إن أنصار عمرو خالد، رمز الجهل والظلام فهم يملأون إستاد القاهرة بعشراتِ الألوف!.
بقية المقال، الذي كتبه اليساري الحكومي المتأمرك، لا تخرج عن هذه النغمة التي تعني أننا نحن المسلمين لا نتحرك بعقولنا، ونحن المسلمين متخلفون بسبب تمسُّكنا بالإسلام الذي ويجب أن نتخلى عنه لنكون "مستنيرين" و"متحضّرين" و"متقدمين" مثل بقية الأمم!.
نسي صاحبنا أن طه حسين قد صنعته الثقافة الإسلامية، وأنه أزهري قد حفظ القرآن وتعلَّم العربيةَ وآدابها فصار مثقفًا حقيقيًّا، مهما اختلف الناس حوله.. ثم إن محبي الأدب أقل بالضرورةِ من الباحثين عن معرفةِ أصول دينهم ودنياهم.. فكانت المفارقة بين ما يتخيله اليساري المتأمرك لطه حسين وعمر خالد!.
وإذا كان هذا اليساري الحكومي المتأمرك، يرى أن الإسلام هو الجهل والتخلف والظلام، فإن الآخر يرفع رايةً أخرى، أتعفف عن ذكر اسمها، فهو يتهم الجماعات الإسلامية، بل المسلمين، بالتعصب والجهل، وشق الوحدة الوطنية، وظلم الأقباط، والمسلمون في رأيه وعلى امتداد مقاله سبب الفتنة الطائفية؛ حيث يمارسون سياسة التمييز مع الأقلية المظلومة المضطهدة، ويتحرشون بها!.
ومع أن صاحب المقال الثاني، ينتمي إلى السلك الجامعي، ويفترض فيه دقة الباحث الموضوعي الذي يصل إلى الحكم العلمي السليم، القائم على مقدمات صحيحة، فقد أعماه التعصّب الفكري الذميم، لدرجة أنه يرى تحية الإسلام "السلام عليكم" نشازًا اجتماعيًّا، وسلوكًا شائنًا، يسلكه المسلمون المتخلفون بدلاً من التحيات العامة واللطيفة، مثل: صباح الخير، أو مساء الخير، أو نهارك أبيض، نهاركم سعيد، مبارك، صباح الهنا، صباح الفل، اتمسوا بالخير، العواف، فوتكم بعافية.
السلام عليكم، تحية الإسلام، ليست تحيةً لطيفةً عند اليسار المتأمرك في بلادنا، وسبق لبعض الماسونيين أن أعلنوا ذلك الرأي أيضًا؛ لأن المطلوب في النهاية أن نتخلى عن الإسلام، أو على الأقل، نقبل بالإسلام الأمريكي الذي يريده المحافظون الأمريكيون ويُشرِّعه المحافظون الجدد.
لقد ظننتُ أن الكاتبَ المشمئز من تحية الإسلام، سيناقش برنامج الحزب المستحيل الذي أبدى الإخوان المسلمون استعدادًا لإنشائه، فاكتفى بالإشارةِ إلى غلبة الدعوى على السياسي في البرنامج، ثم انتقل لهجاء الإسلام والمسلمين، واتهامهم بكل نقيصةٍ؛ لأنهم تصدوا لرجل أعمال طائفي متعصب، أهان الأمة كلها حين تحدَّث كأنه الحاكم الأعلى لمصر الذي لا يستطيع أحدٌ فيها أن يقول رأيًا أو يُبدي وجهة نظر إلا بأمره ورضاه، وأعلن عن عدم موافقته على ارتداء المسلمات الحجاب، وعن نيته في إنشاء قنواتٍ تلفزيونية جديدة تُغيِّر هويّة الشعب ومن ضمنها دينه الإسلامي بالطبع، وثقافته، وأفكاره، بعد أن أنشأ قناةً تُذيع أفلامًا إباحيةً صريحةً، وأشياء أخرى، "للكبار فقط"، وتتكلم العامية وحدها، بوصفها لغة السكان الأصليين(؟) في الوطن الذي يحكمه أو يمتلكه!.
كنتُ أتصوّر أن الكاتب اليساري المتعصّب، سيحدثنا عن آرائه فيما طرحه البرنامج من آراء في السياسة والاقتصاد والمجتمع والتعليم والثقافة، وغيرها، ولكنه آثر أن يكون أكثر ملكية من الملك "برنارد لويس" في حقده على الإسلام والمسلمين، لدرجة رفضه تحية الإسلام: "السلام عليكم.. وكنتُ أتمنى أن يورد بين التحايا اللطيفة، تحية أولاد العم المسالمين الذين يقتلون يوميًّا أعدادًا قليلة من الفلسطينيين تتراوح بين الخمسة والعشرين وينطقونها "شالوم"!، ولكن يبدو أن انتماءَه الماركسي السابق، جعله يُجامل مؤسس الحزب الشيوعي الأكبر في مصر، الراحل "هنري كورييل"- وهو صهيوني لحمًا ودمًا، فلم يورد التحية الصهيونية ضمن التحايا اللطيفة، وأصرَّ على انتقاد "السلام عليكم".
ثم راح صاحبنا يرمي المسلمين بكل نقيصة، ابتداءً بشقِّ الوحدة الوطنية وعدم الاهتمام بقضايا الفساد والاقتصاد والرشوة وغياب الشفافية ومحاصرة العمل السياسي وتدهور الاقتصاد والتعليم والأخلاق وتدني مستويات المعيشة وتوريث الوظائف والمناصب، وإهمال قيم العدل والمساواة وتكافؤ الفرص وقيم التسامح والإخاء والتكافل والحرية.
واضح أن صاحبنا لم يرَ البرنامج وبالتالي لم يقرأ منه حرفًا واحدًا؛ لأنه لو قرأ لعرف، ثم إنه يبدو بعيدًا عن الواقع وما يجري فيه.. ولو تابع جلسات مجلس الشعب ورأى نشاط أعضائه من جماعة الإخوان الـ 88 لعرف كيف يعالجون ويناقشون ويسألون ويستجوبون من أجل القيم النبيلة التي تُمثِّل الأساسَ المكين لكل الشرائع السماوية.
ثم إنه ينسى أو يتناسى أو يتجاهل أن هناك العشرات من الجماعة، فضلاً عن آخرين يعتقلون بصفةٍ شبه يومية، وهناك أربعون يقفون أمام محاكم عسكرية غير مختصة بمحاكمة المدنيين، ولم نسمع له ولا لأصدقائه من أهل اليسار المتأمرك كلمة واحدة في استنكار ذلك أو رفضه.
ترى ماذا يقصد أهل اليسار المتأمرك بحملتهم المركزة على الإسلام والمسلمين واتهامهم بشق الوحدة الوطنية؟ ولحساب مَن يلعبون بالنار؟ هل هم يعيشون بيننا حقًّا، ويُتابعون ما يجري ؟ أم أنَّ لهم غايةً أخرى؟
ونواصل بإذن الله.
----------
