![]() |
|
د. حامد أنور |
تنكَّرت الولايات المتحدة الأمريكية لما أسمته بالإصلاح الديمقراطي في المنطقة، والتي كانت تعتقد من خلاله- بناءً على نصيحة أحد الناشطين المصريين- أنها ستقضي على ما يُسمَّى بالإرهاب؛ ففي حالة إعطاء الحرية للشعوب في الاختيار فإنها ستحوِّل مؤشرها وبوصلتها نحو النموذج الغربي، فحدثت المفاجأة غير المتوقعة؛ حيث صعدت في مصر جماعة الإخوان، وأمسكت حماس بزمام الأمور في فلسطين، فكان التحوُّل السريع في المخطط الأمريكي، وهو: لن نطبِّق الديمقراطية، ولن نعطيَ الشعوب حقَّ الاختيار إلا بعد أن تغيِّر أفكارها أولاً؛ فقد تأتي الانتخابات بحكوماتٍ ليست على هوى الأمريكيين ولا تتفق مع مصالحهم، خاصةً بعد أن تعلَّق الجميع بحلم الخلافة الإسلامية.
فانطلقت من هنا حربُ القلوب والأفكار، والتي تقوم على كسب القلوب، ومن ثمَّ يليها تغيير الأفكار؛ فهو يستميل قلبَك ليغيِّرَ فكرك، يستدرُّ عطفك ليتلاعب بعقلك؛ فمثلاً في الدراما العربية يجعلك تتعاطف مع الراقصة، ويُظهر لك أن المسكينة اضْطُرَّت إلى هذا العمل للإنفاق على أسرتها الفقيرة أو رعاية ابنها المريض..!!.
إنه يريد هدم الحقائق والمُسلَّمات الراسخة في عقلك، كما أنها تستخدم شعاراتٍ برَّاقةً وتصريحاتٍ رنَّانةً ومواقفَ عنتريةً كرتونيةً؛ فباسم الحرية والإخاء والمساواة خدعوا العالم، وباسم الحرية والإخاء والمساواة قتلوا مليون شهيد في الجزائر، وأبادوا الهنود الحمر، وألقوا القنابل الذرية على اليابان باسم الحرية والإخاء والمساواة، وسيطروا على ثروات العالم، ونهبوا خيرات العالم، واستعبدوا شعوب العالم.. يا إلهي.. مَن يحرر العالم وحرب القلوب والأفكار قديمة منذ الأزل؟!
ولكننا سنضرب عليها الأمثلة من التاريخ المعاصر، ولنا في محمد علي خيرُ دليلٍ؛ فعندما أراد أن يستوليَ على السلطة في مصر من أجل إحداث التغيير المطلوب على الطريقة الفرنسية، كان لزامًا أن يكسب قلوب المصريين أولاً.
لقد بدأت علاقة محمد علي بفرنسا قبل مجيئه إلى مصر، فينقل عنه سوليه قولَه لأحد محدثيه: "لن أنسى إطلاقًا أن أول من مدَّ لي يد العون كان فرنسيًّا، وهو مستر ليون، وكان يشتغل بالتجارة في مقدونيا"، ولا تعرف- كما يقول المؤلف- كُتُبُ التاريخ عنه شيئًا سوى مساعدته لمحمد علي.
ويستمر سوليه في سرده فيقول: "إن فرنسا قامت بعد انسحابها عام 1801 بتعيين ماتيو ديلسبس قنصلاً لها في مصر، وهو والد فرناندو ديلسبس الشهير، وراهن على الحصان الجيد (محمد علي)، وكان يعمل قائدًا للفرقة الألبانية، وكان الناس يلجأون إليه من أجل حمايتهم وتعضيد الأمن في البلاد بعد حالة الاضطراب التي سادت بعد اندحار الفرنسيين، وفي النهاية ارتضى الجميع بمحمد علي واليًا على مصر".
لقد استحوذ على قلوب المصريين وتم تضخيمه، خاصةً بعد فشل حملة فريزر عام 1807 ليقوم بعدها بحرب الأفكار، فقام بعد ذلك بنفي عمر مكرم وتعيين الشيخ السادات؛ لأنه كان طوعًا له، وتم التخلص من كل مراكز القوى في البلاد بالتخلص من المماليك في مذبحة القلعة الشهيرة، وأصبح محمد علي هو الحاكم الأوحد للبلاد، وأرسل الشباب إلى فرنسا، وفُتحت مصر مشاعًا متاعًا مستباحًا أمام الفرنسيين.
يكفي أن تعلم أن المسلَّة المصرية في ميدان الكونكورد الشهير، كان الاختيار قد وقع على مسلة أخرى في الإسكندرية، ولكن عندما جاء شمبليون إلى مصر عام 1828 رأى مسلة أخرى في الأقصر أفضل كثيرًا، فتم نقلها.
لقد اغترفت فرنسا من كنوز مصر.. تلك المغارة التي كانت محظورةً عليها من قبل، وكانت كلمة السر: محمد علي العجيب، إنهم طلبوا منه عام 1829 التوسع إلى الجزائر والمغرب الإسلامي لتعميم التجربة، لكنه رفض غضبة الجماهير، فقامت فرنسا باحتلال الجزائر عام 1830.
وهكذا دومًا، يتم ضرب أي نموذج أو أي شخص تنعقد عليه الآمال وتنساب من خلفه الأحلام من أجل تحرير الأمة؛ فلا يبقى إلا نموذجٌ واحدٌ فقط تتجمع في يده كل الخيوط، هو من يرضى عنه الآخرون، ولكن هل ما قامت به فرنسا في مصر بواسطة محمد علي كان حضارةً؟! هل أعطى أصحاب الثورة الفرنسية المصريين حق اختيار حاكمهم؟! هل وضعت فرنسا أسس تداول السلطة؟!
لقد جعلت الحكم وراثيًّا في نسله من بعده.. إنهم لا يبحثون إلا عن مصالحهم؛ فمحمد علي لم يقم بوضع المرتكزات التي تقوم عليها الحضارة، فيقول شاتوبريان في كتابه (مذكرات ما وراء القبر): "إنني لن أترك نفسي تنخدع بسفن بخارية وبسكك حديدية، أو ببيع منتجات ومصانع، أو بثروة بعض الجنود الفرنسيين والإنجليز والألمان في خدمة الباشا؛ فهذا ليس هو الحضارة".. حقًّا، وهل استعباد البشر ونفي إرادتهم يكون حضارةً؟!!.
ويقول فيكتور سكولشير- وهو سياسي فرنسي- بعد أن زار مصر في عهد محمد علي ورأى الطريقة الوحشية في معاملة المصريين وسوء المعاملة في السجون والضرائب التي يُجبونها عن طريق الضرب بالعصا، فكتب يقول: "إن الفلاح المصري يموت من الجوع إلى جانب مخازن نائب الملك المفعمة بالقمح"، فنحن لا ننتظر أصحاب فيلم "هي فوضى" و"حين ميسرة" ذوي التمويل الفرنسي كي يتحدثوا باسم المطحونين ويوجِّهونا إلى سواء السبيل!!.
إن أمريكا ما زالت تبحث عن نموذج محمد علي في العراق، فيتجمَّع حوله العراقيون ويكسب قلوبهم؛ حتى يقوم بعملية التغيير الفكري المطلوب، والعجيب أن تجربة محمد علي تم استنساخها بالتمام والكمال مرةً أخرى، لكن هذه المرة كان جمال عبد الناصر؛ فقد ظهرت في مصر جماعةٌ تسمي نفسها "الإخوان المسلمين" عام 1928م، يتزعَّمها رجل يسمَّى "حسن البنا"، تدعو إلى اعتبار الإسلام هو البوتقة الحضارية التي تنصهر فيها الأمة بعيدًا عن نعراتٍ قوميةٍ أو عرقيةٍ، وانتشرت الجماعة في فترة وجيزة في طول البلاد وعرضها، وتبنَّت خيار الجهاد لدحر المحتل وطرد اليهود من أرض فلسطين، وساعد على ذلك حالةُ السخط الذي اشتعل في قلوب المصريين ضد فاروق؛ فلم يعد للملك فاروق أيُّ رصيدٍ في القلوب، ووصلت شعبية الملك إلى الحضيض، فإذا بتنظيمٍ جديدٍ يخرج للنور اسمه "الضباط الأحرار".
وقُتل البنا واحترقت القاهرة ولا يعرفون من الفاعل، وتم تدمير رموز الثراء الأوروبي (شيكوريل اقرينو)، وعناوين الثقافة الغربية (سينمات ريفولي مترو وديانا)، وتم اقتحام كل ما هو أجنبي.
لقد رأوا- كما يقول سوليه- أن الدولة التي سمحت بذلك هي دولة ميتة، فتحرَّك الضباط الأحرار، وطمأن شخصٌ يُدعى "أنور السادات" الأجانبَ، وأن الجيش مسئولٌ مسئوليةً كاملةً عن أمن أشخاصهم وممتلكاتهم ومصالحهم، وكتب عبد الناصر عام 1953 كتاب "فلسفة الثورة" قال فيه: "لقد جاءت الحملة الفرنسية، وتحطَّم الستار الحديدي الذي فرضه المغول علينا، وبدأت اليقظة الحديثة".
ولكي يقوم عبد الناصر بمعركة الأفكار كان لزامًا عليه أن يقوم بمعركة القلوب أولاً.. لقد أعاد الأراضيَ للفلاحين، وقام بالتصوير معهم، وأنشأ المصانع، وبنى السد العالي، وتم تضخيمه بعد أحداث 1956، فضلاً عن قدرةٍ خطابيةٍ عاليةٍ، تخدع البسطاء، يقول: "ارفع رأسك يا أخي؛ فقد مضى عهد الاستعباد"، ولكن للأسف لم يرفع أحدٌ رأسَه إلا قليلاً، فقد قام عبد الناصر باقتطافها.
لقد امتلك عبد الناصر القلوبَ ليقوم بتغيير العقول، وحتى يكون التغيير الذي يقوم به مقبولاً عند الجماهير التي تكون في حالة سُكْرٍ من تأثير الخطابات وبعض الإنجازات.. إنه نفس القالب الذي أخرج أتاتورك وصدام حسين، وحاول صناعة بوتو، ولكنَّ سيف الردى كان أسرع.
لقد قام عبد الناصر بحرب الأفكار تحت شعارات القومية والاشتراكية وعدم الانحياز وفيلم الناصر صلاح الدين.. إنها نفس الخطط.. إنها نفس الحِيَل والألاعيب؛ فالمشكلة ليست في الصليبيين، المشكلة فينا نحن.. ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ (آل عمران: من الآية 165).
----------------
