لم تفاجئني نظرة د. فاروق الباز للجامعات المصرية في الوقت الحالي؛ فهي تمسُّ قلب الواقع وعين الحقيقة!! التعليم رديء.. والمسئولون عنه خليطٌ من الفساد والمحسوبية والروتين والاستغلال!! والنتيجة الطبيعية لذلك خرِّيجٌ فاشلٌ، ضعيفُ الانتماء، وجيوشٌ عاطلون.
الوقائع التي سأرويها حدثت بالفعل في جامعة عين شمس العريقة للعام الثاني على التوالي كما نقلتها وسائل الإعلام: مسئول كبير بالجامعة يستأجر البلطجية وأرباب السوابق ويؤمِّن دخولهم إلى محراب الجامعة بالمولوتوف والسنج والسيوف للاعتداء على الطلبة المعارضين!!.
بدت المشاهد مروِّعةً وكأننا في مدينة منكوبة تسود فيها الفوضى، كانت الإصابات متعددة، ومشاعر الخوف والفزع واضحة، بينما شوهد رئيس الجامعة يوجِّه البلطجية من شرفة مكتبه.
طلبة مسالمون ومجرمون مطاردون وجهًا لوجه، لم تكن المعركة متكافئةً، بينما وقف أمن الجامعة على الحياد؛ فرئيس الجامعة نجل وزير داخلية سابق.. وزير التعليم العالي لم يتدخَّل في الأمر وكأنه لا يعنيه من قريب أو بعيد.
قد يعتقد البعض أن الوزير هلال يؤمن باستقلالية الجامعات على الطريقة الكونفيدرالية، ويعتبر ما حدث شأنًا داخليًّا!! بينما نفى رئيس الجامعة الواقعة محمِّلاً المسئوليةَ للطلاب.
لم تكن تلك الواقعة- على بشاعتها وغرابتها- هي الاتهام الوحيد الذي يوجَّه لرئيس تلك الجامعة تحديدًا، فقد نقلت الصحف منذ أيام قليلة أنه قرَّر تخفيض رواتب الآلاف من العِمالة المؤقتة من 300 جنيه إلى 105 جنيهات، ولما اعترضوا على قراره ذهب إلى مكان اعتصامهم وواجههم بسيل من الشتائم، قائلا: "أنتم حفيتوا وتذللتوا وبوستوا الجزم عشان تشتغلوا عُمال، رغم أنكم حاصلين على مؤهلات عليا"!!.
بعد ذلك حدث اشتباكٌ بينه وبين العمال، تمكَّنوا خلاله من توجيه بعض الضربات إليه!! لكنه جرى ولجأ إلى مكتب حرس كلية الزراعة للاختباء فيه!!، جري، وكرٌّ وفرٌّ، وبلطجة واعتداءات، وإصابات وصراعات.. هذا هو المشهد الحالي للأوضاع الجامعية في مصر!!.
- فكيف سيصل التعليم إلى الوضع الذي يتمناه المخلصون؟
- وما هو الجُرم الذي يرتكبه طالب ملتزم ومتفوق كي يُطرَد من السكن الجامعي ويشطب من القوائم الانتخابية للاتحادات الطلابية ويتم الاعتداء عليه، وبعد ذلك يمنع من التعيين، أليست هذه عمليات تمييز واستئصال؟
- أليس ذلك انتهاكًا لأبسط الحقوق الآدمية في اختيار الفكر والتعبير عن الرأي؟
- أليس هذا التعامل الفجّ والقسوة المفرطة هي الداعي إلى تأجيج مشاعر الكراهية والعنف لدى الشباب، وهي المبرر للانعزالية والتطرف؟!
- أين حقوق العِمالة المؤقتة التي يحاولون تعميمها كنظام في الجهاز الإداري للدولة؟
- أليست التصريحات الكاذبة للمسئولين عن الجامعات والتي تفضحها الوقائع المنظورة مدعاةً إلى فقد الاحترام وباعثًا إلى تشويه وزعزعة الرغبة في الاقتداء؟
- ما هي مؤهلات رئيس الجامعة ومواهبه التي على أساسها وصل إلى منصبه الحالي، رغم أنه تورَّط بشكل مباشر في جريمة العام الماضي؟!
إن قصر الاختيار على أهل الثقة وعزْل وإبعاد أصحاب الخبرة يمكن أن يطرح تصورًا هامًّا عن مدى شرعية ومصداقية النظام ككل، ومدى تعمُّده إهدارَ كلِّ القيم والمثُل لتفكيك أواصر المجتمع وإضعافه بما يضمن استمراريته وبقاءه!
هؤلاء غير المؤتمنين ينظرون للمواطن البسيط نظرةً دونيةً، مهدرين جهده واجتهاده، وحصوله على مستوى مرتفع من التعليم، بدلاً من تشجيعه واحتضانه!!.
يعتبرون الجامعة ملكًا خالصًا لهم بطلابها وموظفيها وأكاديمييها!! ويخفضون الرواتب إلى الثلث في وقت يضرب الغلاء فيه المواطن بوحشية ويدفع البلاد للفوضى.
ماذا تفعل المائة جنيه كراتب شهري؟
أعتقد أنها لا تكفي مسئولاً في الحكومة الإلكترونية لشراء الكريمات التي يحسِّن بها وجهه ويهذِّب شاربَه قبل أن يطلَّ علينا في وجاهة تخفي كل الحقيقة..
أين وعود السيد الرئيس في برنامجه الانتخابي والتي على أساسها تم انتخابه.
ما يحدث جريمة في حق الوطن ستذكرها كل الأجيال القادمة!!
بلطجة وعسكرة وجه الحياة لن تكونا دافعتَين لبقائكم!! وإفقار المجتمع وإضعافه واستهلاك قدرات وطموحات أبنائه لن يضمن لكم استمرارية!!.