اللافت للنظر في مصرع بي نظير بوتو- رئيسة وزراء باكستان السابقة- ما صدر عن الصحافة والسياسيين في الكيان الصهيوني، وما وعدت به بوتو نقلاً عن المصادر الصهيونية من أنها ستزور الكيان في أول برامج زيارتها للخارج إذا تولَّت هذا المنصب مرةً أخرى.

 

فقد أعلن شيمون بيريز (رئيس الكيان) خسارةَ الصهاينة لفقدها؛ لأنه كان يعلق آمالاً كبيرةً عليها، كذلك أعلن باراك (وزير الدفاع الصهيوني) أن بي نظير بوتو قد التقت به في مناسبات مختلفة.

 

أما أولمرت- رئيس الوزراء- فقد أكَّد أنه كان يأمل في أن تكون بي نظير بوتو منفذَ الكيان  إلى العالم الإسلامي، وأنه كان يعلِّق أملاً كبيرًا على أن تكون بوتو هي التي تساعد على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل وباكستان.

 

هذا الموقف الصهيوني- كعادته- يحاول استغلال المآسي، وأن يلطِّخ ثوب بي نظير بالوحل، وأن هذا الموقف قد اختار اللحظات الأولى عقب مصرعها حتى يحقق أهدافه؛ مما يدعو إلى عددٍ من الملاحظات:

 الصورة غير متاحة

بي نظير بوتو

أولاً: أن مصرع بوتو في الظروف التي تمَّ فيها سبَّبت صدمةً كبيرةً للجميع؛ لأسباب كثيرة: السبب الأول: يتعلَّق بالموقف في أفغانستان، وهو موقفٌ متفجرٌ، وأن هذا الاغتيال يزيده تفجيرًا وفوضى.

 

والسبب الثاني: أن الاغتيالات السياسية في باكستان ليست مألوفةً كما هو في الهند، وأن "ذو الفقار علي بوتو" والد بي نظير قد أُعدم بعد تلفيق النظام العسكري للجنرال ضياء الحق تهمًا، ورتَّب له محاكمةً نفذت فيه حكم الإعدام.

 

والسبب الثالث: هو أن بي نظير بوتو شخصيةٌ سياسيةٌ فذةٌ بكل المقاييس، وأن خسارتها في مثل بيئة باكستان خسارةٌ لا تُعوَّض ربما قبل عشرات السنين.

 

والسبب الرابع: أن بي نظير بوتو جمعت بين الأناقة الشخصية والثقافة الغربية والاعتدال الإسلامي، وكانت من الرموز والأمثلة على إمكانية الجمع بين الإسلام والغرب في شخص واحد.

 

والسبب الخامس: هو هذا التعاطف الكبير الذي شعر به العالم كله؛ بسبب المشهد المُفجِع لمقتل امرأةٍ تدعو إلى الإصلاح والديمقراطية في بيئةٍ غير صالحة، تسودها الهمجية والتطرف، وقد ازداد الحزن عليها بعد أن اطَّلع الناس على وصيتها وتوقعها هذه النهاية ورغبتها في استمرار الخط الذي سارت عليه.

 

ثانيًا: في ضوء هذه الأسباب التي دفعت العالم كلَّه إلى التعاطف معها وتقديرها، بل واعتبار اغتيالها على هذا النحو إضافةً لحياتها، تصاعد الجدل حول مَن الذي قام باغتيالها؟، واتجاه أصابع الاتهام إلى النظام في باكستان.

 

وسواءٌ تم اغتيالها على يد النظام أو على يد القوى المتطرفة أو حتى على يد الخصوم السياسيين المنافسين، فإنها في النهاية كانت صاحبةَ قضيةٍ تخص الوطن، وهذا ما يضيف إلى معاني البطولة والمزيد من التعاطف معها.

 

 الصورة غير متاحة

 برويز مشرف

هذه الصورة الناصعة حاول الكيان الصهيوني أن يلوِّثها بما ذكرناه من مواقفها، وهو يستغل في ذلك الاتصالات التي تمَّت بين الكيان وباكستان لاختراق الصهاينة للعالم الإسلامي، وبلغ هذا الخط قمَّته بذلك اللقاء الذي رُتِّب في تركيا بين شارون ومشرف قبيل دخول شارون في الغيبوبة مباشرةً في أواخر 2005م، ثم انحسر الاتجاه في باكستان بضغط الجماعات المعارضة.

 

ولا شك أن جهود الكيان لم تنقطع، ولا تزال عينُها على باكستان بشكلٍ خاصٍ؛ بسبب موقعها من أفغانستان وسيادة التطرف الإسلامي فيها، فضلاً عن حيازتها للسلاح النووي، وحيث كان الكيان يناهض حصولها على هذا السلاح، ويعتبر هذا السلاح سلاحًا إسلاميًّا.

 

ثالثًا: هذا الموقف الصهيوني في هذا التوقيت يوحي للمراقب بأن الذي اغتال بوتو هي الجماعات المعارضة للتقارب الباكستاني الصهيوني، خاصةً أن الكيان يساعد الهند لقمع المقاومة في كشمير، كما أن الجماعات الإسلامية في العالم كله ضد الكيان والصهيونية والولايات المتحدة.

 

ويريد الكيان أن يوجِّه المحقق الباكستاني في هذه الجريمة إلى هذه الوجهة، فتساند بذلك موقف الحكومة الباكستانية الذي يؤكد روايتين متضاربتين: الأولى: أنها قُتلت بمؤامرة إرهابية، والثانية أنها قُتلت بمجرد اصطدام رأسها بسقف السيارة التي أقلَّتها.

 

وكان الموقف الصهيوني أسبق من الموقف الرسمي الباكستاني؛ ولذلك فإن موقف الكيان يحتمل تفسيرين في وقتٍ واحدٍ: التفسير الأول: هو التوجيه إلى خطر القاعدة والجماعات الإرهابية، وإظهار باكستان على أنها وقعت فريسةً لها؛ مما يبرر التدخل الأمريكي المباشر في شئونها.

 

والتفسير الثاني: هو الإساءة إلى ذكرى بي نظير بوتو عند هذه الجماعات وعند مشاعر الرأي العام العالمي، لدرجة أن البعض تأثَّر بالموقف الصهيوني، وانقلب تعاطفه معها إلى فرحةٍ بما حلَّ بها، خاصةً بعد أن نشرت المواقع الصهيونية فور الحادث تفاصيلَ عن استضافة مندوب الكيان الدائم في الأمم المتحدة لها ولزوجها عدة مرات، وإعجابه الشديد بشجاعتها وتعاطفها مع الصهاينة، وهو ما يضع هذه القصة وجهًا لوجه أمام الشعور القوي للشعب الباكستاني بمساندة كشمير التي يشترك الكيان في القضاء على حركة المقاومة فيها.