أثارت زيارةُ الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لمصر بصحبة صديقته عارضة الأزياء استياء الكثيرين من المصريين، حتى وصل الأمر إلى مجلس الشعب المصري عندما أثار عددٌ من النواب الموضوعَ في البرلمان، وتساءلوا عن مدى مشروعية استقبال ساركوزي وعشيقته على أرض الأزهر والإسلام، ومدى تصادم ذلك مع أخلاقيات المجتمع وأعرافه وتقاليده.
تداعى إلى الذاكرة موقفٌ مُشرِّفٌ لإيران، عندما وجَّه الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك الدعوة لمحمد خاتمي لزيارة فرنسا ووصفت الزيارة حينها بالتاريخية والمهمة للغاية لمد الجسور بين أوروبا وإيران ورغم هذا كادت الزيارة أن يتم إلغاءها إثر رفض الإيرانيين لمراسيم قصر الإليزية والخاصة بتقديم النبيذ الفرنسي على طاولة العشاء على شرف الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي، وحدث عندها تجاذب شديد بين الطرفين تناقلته وسائل الإعلام في حينها، وتمسَّك الفرنسيون في بادئ الأمر بموقفهم، وقالوا: إن هذا من أصول الضيافة عندهم منذ مئات السنين وليس عندهم استعداد لتغييرها من أجل أحد وعلى الجانب الآخر تمسَّك الإيرانيون بموقفهم، وقالوا لن تتم الزيارة في وجود النبيذ، كما تقضي الشريعة الإسلامية.
وبعد وساطات ومفاوضات بين الطرفين رضخ الفرنسيون للموقف الإيراني ورُفِعَ النبيذُ من قائمةِ العشاء، ورُفِعَتْ معه رأسُ الإيرانيين عاليًا.
عندما تُقارن هذا الموقف بموقف مصر الحالي من استضافة الرئيس الفرنسي وعشيقته الذي ما أتى إلا ليقضي معها إجازته ويُطارِحَها الغرامَ تحت حراسة وضيافة مصر العربية الإسلامية ينتابك شعورٌ بالغ بالحسرة، والأسى على الحال الذي وصلنا إليه، أدرك جيدًا أن هذا الموقف يعد كاشفًا لمظهرٍ جديدٍ من قائمةٍ طويلةٍ من تجليات الانهيار الأخلاقي الحاصل في مصر، وكذلك الانبطاح أمام الثقافة الغربية البعيدة كل البعد عن قيمنا وأخلاقنا.
قد يكون الفرنسيون يُحبون الرئيس المشهور بصولاته وجولاته النسائية، هذا شأنهم، ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)﴾ (الكافرون)، ولكن أن يكون هذا تحت رعايتنا وفي ضيافتنا فهذا هو العار بعينه، وينتاب المرء شعور أكثر بالضيق عندما أحاول تخيل ساركوزي، وهو يُقدِّم صديقته إلى المسئولين المصريين الذين حضروا لاستقباله وهم يبادلونها ابتسامات الترحيب والمجاملة، وربما قبَّل بعضهم يديها!! حتى لا يُتهم بعدم اللياقة والذوق، والعجيب أن الفاتيكان رفض أن يصطحب ساركوزي والدة عشيقته لزيارة البابا، واضطر الرئيس الفرنسي أن يدخل بدونها احترامًا للفاتيكان!
إن ما لا يُدركه أهل الحكم عندنا أن الدول لا تحترم إلا مَن يحترم نفسه أولاً، أولى تجليات هذا الاحترام للذات هو احترام مشاعر ومعتقدات عشرات الملايين من المواطنين الذين رفضوا هذا السلوك المشين من حكومتنا الرشيدة، ولكن هل يسمع أحد؟ اللهم قد بلغت اللهم فاشهد.