العلاقات المصرية مع الكيان الصهيوني تمرُّ بأزمةٍ معلَنةٍ وعشرات الأزمات غير المعلنة؛ فقد أطلقت وزيرة الخارجية الصهيونية تصريحاتٍ حادَّةً، اتهمت مصر فيها بنفس الاتهامات المتكررة، وهي عدم إحكام السيطرة على حدودها رغم قدرتها على ذلك، كما اعترف موفاز- الوزير في الحكومة الصهيونية- أن ضغط واشنطن على مصر بوسائلها أجدى من الشكوى الصهيونية.
استجاب الكونجرس بمجلسَيه لشكوى الكيان وقرَّر خطوةً رمزيةً وهي احتجاز 100 مليون دولار من المعونة السنوية لمصر، وأن يتم الإفراج عنها بعد أن تقرِّر وزيرة الخارجية الأمريكية أن مصر أوفت بالتزاماتِها على الحدود المصرية مع الكيان الصهيوني، وأنها منعت الأنفاق وتهريب السلاح من الجانب المصري.
اتهم وزير الخارجية المصري الكيانَ بتعكير صفو العلاقات المصرية الأمريكية، وأن افتعال الأزمة مع مصر هي محاولةٌ للتغطية على فشل الكيان في تنفيذ قرارات أنابوليس، خاصةً مع تنفيذ برنامج "استيطاني" في القدس الشرقية.
ثم أدلى الرئيس مبارك يوم 27/12/2007 بحديث لصحيفة (يديعوت أحرونوت) أعلن فيها رفضه القيود على المعونة، وأكد حرصه على العلاقات الثنائية مع الكيان، كما تحدث بمرارة عن تجاوز وزيرة الخارجية كلَّ الخطوط الحمراء معه، رغم أهمية العلاقات مع الكيان بالنسبة له.
من ناحية أخرى شنت الصحف "الإسرائيلية" وبعض الأوساط السياسية هجومًا لاذعًا على مصر، وطالب بعضها بقطع العلاقات معها، واتهمت هذه الأوساط مصر أنها تتمنَّى الشر للكيان الصهيوني، معنى ذلك أن هناك مشكلةً في العلاقات المصرية الصهيونية تحتاج إلى تحليل لمعرفة مصير هذه الأزمة العلنية، وأسباب ظهورها إلى العلن بعد أن كانت كل الأزمات- رغم خطورتها- يتم تسويتها بالطرق الودية، كما قال الرئيس مبارك.
من الواضح أن العلاقات بين مصر والكيان الصهيوني تتسم بخصوصية لا يمكن تجاهلها، وتتمثل هذه الخصوصية في عدد من السمات لهذه العلاقات؛ فهي علاقات محورية بين الكيان من ناحية وأكبر دولة عربية من ناحية أخرى، وإن أيَّ انهيار في هذه العلاقات قد يعني إعادة فتح باب الصراع العربي الصهيوني.
وإذا كان تقديري أن خصوصية هذه العلاقات هي التي أدَّت إلى صمود هذه العلاقات طيلة ربع القرن الماضي؛ فإن انفراط عقد هذه العلاقات لن يُعيد المشهد في المنطقة إلى ما كان عليه عام 1979؛ لأن جميع المعطيات الإقليمية والعالمية قد تغيَّرت، تتمثل الخصوصية أيضًا في مركزية العلاقات "الإسرائيلية" مع العالم العربي من خلال مصر، وبغير مصر ينهار سياق العلاقات الصهيونية على الأقل مع الدول التي تقاطع الكيان إكرامًا للعالم العربي.
الخصوصية من طرف ثالث تتمثَّل في أن فكرة السلام الإستراتيجي بين البلدين قد فسَّرها كلٌّ بطريقته، ففهمت مصر السلام الإستراتيجي على أنها ضمنت الجبهة الصهيونية وأنها تستطيع أن تتفرَّغ لقضاياها المباشرة دون أن تتورَّط في صراعات أخرى مع الكيان.
من ناحية رابعة- وهو الأهم- فإن العلاقات المصرية الصهيونية قد أصبحت هي العلاقات الأساسية منذ 1979 بعد أن كانت العلاقات المصرية الأمريكية هي الأساس، فقبل عام 1979 كانت الولايات المتحدة تلعب دور الوسيط بين الطرفَين، وكان تدهور العلاقات المصرية الصهيونية المنعدمة أصلاً لا يؤدي إلى أي أثر في العلاقات المصرية الأمريكية، أما بعد 1979 فقد حدث تطوران خطيران نتيجة فهم مصر لعلاقاتها بإسرائيل على أنها الوجه الآخر للعلاقات المصرية العربية، وخيَّرت نفسَها أو أُجبرَت على الاختيار بين الكيان والعالم العربي، ذلك أن منطق المعونة الأمريكية لمصر في أول مذكرة قُدِّمت لوزارة الخارجية الأمريكية إلى الكونجرس تنصُّ على تبرير هذه المعونات على أن هدفها هو أن تستغني مصر عن المعونات العربية، أي اختزلت العلاقات المصرية العربية في بند واحد وهو المعونة.
كما أشارت المذكرة إلى أن الهدف الآخر للمعونة هو تشجيع مصر على الصمود في عملية السلام مع الكيان، وأن تشجع مصر الدول العربية الأخرى على الانخراط في عملية السلام، أي أن المعونة كانت مساندةً لمصر في خلافها مع العالم العربي، رغم أن واشنطن كالعادة شجَّعت العالم العربي على مقاطعة مصر بقدر تقارب مصر مع الكيان، فلم يعد ممكنًا في الصيغة الأمريكية الجمع بين مصر والكيان والدول العربية إلا في سياق واحد، هو دخول الجميع إلى قفص التسوية السلمية.
ولذلك يجب أن نلاحظ في الخطاب السياسي الأمريكي أن واشنطن تحثُّ مصر على المزيد من الدور في عملية السلام، أي تشجيع الدول العربية على التطبيع مع الكيان، وبذلك أصبحت المعونة مقابل استمرار مصر في خندق السلام مع الكيان وبالشروط الصهيونية، وأن تقوم مصر بدور في السلام بين الكيان والدول العربية، وأن تقوم بأدوار بين الكيان والفلسطينيين لتحقيق أهداف الكيان، أي أن مصر انتقلت من مرتبة المساند للقضية الفلسطينية إلى مرتبة الوسيط بين الصهاينة والفلسطينيين.
![]() |
ولذلك لست مندهشًا من تدهور العلاقات المصرية الأمريكية، ولكنني أقدِّر لمصر طموحَها في محاولةِ أن تجمع بين الكيان والولايات المتحدة الأمريكية، ولكنَّ المعالجة الجذرية لهذه المشكلة لن تتم إلا بإعادة ترتيب رؤية مصر لعلاقتها مع الولايات المتحدة الأمريكية كأصل، ومحاولة تحييد العامل الصهيوني في هذه العلاقات، وهو أمرٌ بالغُ الصعوبة ولكنه ممكن التنفيذ، وما لم يتم إجراء هذا الإصلاح الجوهري، فإن العلاقات بين مصر وكل من الكيان والولايات المتحدة من ناحية أخرى ستشهد فصولاً جديدةً من التوتر والتدهور.
أما الأزمة الأخيرة، فإن نقلها من دائرة التسوية الودية إلى دائرة الصحافة ومجاهرة الكيان بأنه هو الذي حرَّض واشنطن على مصر، رغم أنه يحرِّضها دائمًا وهو الذي سمَّم دائمًا العلاقات المصرية الأمريكية، فهو يعكس رغبة "إسرائيل" في الضغط على مصر وإحراجها بشكل علني، وتفسير هذا المسلك "الإسرائيلي" يحتاج إلى مجهود كبير، ولا أظن أن بعض التفسيرات التي ذهبت إلى أن موقف وزيرة الخارجية لا يقصد به مصر، وإنما نتيجة صراع سياسي مع باراك هو تفسير معقول.
لوحظ أيضًا أن الصحف الصهيونية تهاجم مصر هجومًا حادًّا كما يهاجمها السياسيون، بينما اتسمت الصحافة المصرية "بالترفُّع" عن مهاجمة الصهيوني وخاصةً الصحف القومية.
من ناحية ثالثة لوحظ أن مصر تحاول بكل الطرق إرضاء الكيان، وأن النقد "الإسرائيلي" العلني كان صدمةً "للعشم" المصري في "إسرائيل"، أي أن هناك دائرةً ضيقةً تسمح للطرفين بالعتاب الرقيق؛ حتى لا ينقطع حبل الودّ الذي يحرصان عليه، رغم خلوِّ قلبهما من الحب المتبادل، ورغم أن مصر قرَّرت أنها فعلت كل ما تستطيع لترضية الكيان فيما شكت منه، وهذا يشير إلى حرص مصر على عدم استمرار الجدل مع الكيان دون أن ندري متى يتوقَّف الكيان عن الشكوى, ولا نعلم لماذا جهر الكونجرس هذه المرة بموقف بالغ الإحراج؟!
لا أظن أن حلَّ هذه المشكلة بين مصر من ناحية وأمريكا والكيان من ناحية أخرى يمكن أن يتم عن طريق المسكِّنات، ما دام الخلل الهيكلي في العلاقات الثلاثية قائمًا، كما لا نظن أن الحل الراديكالي يمكن أن يحقق المصالح المصرية، وذلك بقطع العلاقات مع تل أبيب، ورفض المعونة من الولايات المتحدة، ولكن لفت النظر في النهاية أن المطالبة بقطع العلاقات مع مصر قد صدرت هذه المرة، ولأول مرة من الجانب الصهيوني؛ مما يعني أن الكيان يعتبر الآن أن علاقاته مع مصر أصبحت لصالح مصر، وأن قطع هذه العلاقات يُعدُّ عقوبةً لمصر.
أما مطالبة المصريين بقطع العلاقات مع الكيان وإنهاء اتفاقية السلام معه، فإنه ينطوي على مدلولات أخرى، تتعلق بأملهم في أن تكون مصر كما كانت قلعةَ العروبة والاستقلال والدور وعدم الخضوع لأحد, كما تنطوي هذه المطالبة على رفض المسلك الصهيوني مثلما تنطوي في النهاية على رغبة الجمهور المصري في ألا تستفيد تل أبيب من وضع العلاقات في الحالة المريحة تمامًا بالنسبة لها, والذي يجعل مصر شيئًا غير مذكور في القرار الصهيوني، بينما يجعل رغبات الكيان قيدًا صارمًا على القرار المصري.
