عبد الباري عطوان

الرئيس المصري حسني مبارك أبدى انزعاجه من تركيز الفضائيات على قضية الحُجَّاج الفلسطينيين العائدين إلى قطاع غزة، واعترف أن بلاده في حالة حرجٍ كبيرٍ؛ بسبب هذه القضية، ولكنه لم يقل أن ضعف نظامه أمام الحكومتين الأمريكية والإسرائيلية وخضوعه الكامل لإملاءاتهما هو الذي يضعه ومصر- الدولة الإقليمية الأكبر- في هذا الوضع المحرج دون أي سببٍ أو مُبرِّرٍ.
امتدحنا في هذا المكان موقفَ الحكومة المصرية في ممارسة سيادتها على حدودها وسماحها لحُجَّاج قطاع غزة بالمرور عبر معبر رفح دون أخذ إذنٍ من الإسرائيليين، وطالبنا بتضامن عربي معها في مواجهة حملة الابتزاز التي تتعرَّض لها؛ بسبب هذه المواقف الوطنية التي تجسِّد تطلُّعات الشعب المصري وكرامته وتراثه الوطني العريق، وتمثَّلت في استخدام اللوبي اليهودي للكونجرس ودفعه للتلويح باقتطاع 100 مليون دولار من المساعدات السنوية لها، ولكن النظام المصري أصر على تخييب ظننا كعادته دائمًا، وبادر بسرعةٍ قياسيةٍ للتراجع عن هذه المواقف، وبطريقةٍ مُخجِلةٍ، والأكثر من ذلك الدفاع عنها والاستماتة في تبريرها.
هذا التراجع المؤسف جاء بعد الزيارة التي قام بها إيهود باراك- وزير الدفاع الإسرائيلي- إلى شرم الشيخ ولقاءاته مع الرئيس مبارك ونظيره المصري المشير طنطاوي، علاوةً على اللواء عمر سليمان- رئيس جهاز المخابرات العامة- ولا نعرف ما هي التهديدات، أو الإغراءات، التي لوَّح بها باراك ودفعت أركان النظام المصري لتغيير رأيهم 180 درجةً بشأن عودة هؤلاء الحُجَّاج من حيث أتوا، ومطالبتهم بتوقيع تعهدات وهم في عرض البحر بالقبول بالعودة إلى سجنهم في القطاع عبر المعابر الإسرائيلية.
الرئيس مبارك ألقى علينا محاضرةً في المؤتمر الصحفي الذي عقده مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي حول معبر رفح والاتفاقات المتعلقة به، مثل ضرورة وجود ممثل للجنة الرباعية، وآخر عن السلطة الفلسطينية في رام الله، كشرطٍ لإعادة تشغيله، ولكن الرئيس مبارك نسي- وهذه ليست المرة الأولى- أنه عندما سمح لهؤلاء الحُجَّاج بالمغادرة عبر المعبر نفسه إلى الأماكن المقدسة في انتفاضة كرامةٍ نادرةِ الحدوث، لم يكن أيٌّ من هؤلاء الممثلين متواجدين على المعبر.
الأرجح أن إسرائيل ابتزَّت النظام المصري بالإيعاز إلى أنصارها في الكونجرس باستخدام ورقة المساعدات للضغط على الحكومة المصرية؛ لبذل جهودٍ أكبر لمكافحة ظاهرة الأنفاق على الحدود المصرية مع قطاع غزة، واستخدامها في تهريب أسلحةٍ لحركات المقاومة، فقرر هذا النظام الردّ على هذا الابتزاز باستخدام ورقة الحُجَّاج هذه، وعندما توصَّل إلى اتفاقٍ مع الحكومة الإسرائيلية عبر باراك، وتصافت القلوب.. "عادت حليمة إلى عادتها القديمة"، وتم التراجع عن وقفة العز القصيرة جدًّا هذه، وبدأت عملية التنكيل بالحُجَّاج والزج بهم في العراء، ومطالبتهم بالعودة إلى أهلهم وذويهم عبر المعابر التي تسيطر عليها إسرائيل بالكامل.
الذريعة التي استخدمتها إسرائيل في معارضتها لعودة هؤلاء عبر معبر رفح، تتلخَّص في مزاعمها بأن بعض هؤلاء خرجوا من أجل تلقِّي دوراتٍ تدريبيةٍ على أعمال الإرهاب، ومن المؤسف أن الحكومة المصرية صدَّقت هذه المزاعم دون أن تسأل نفسها كيف سيتدرَّب هؤلاء على أعمال الإرهاب وهم الذاهبون إلى الحج، ولفترةٍ زمنيةٍ لا تزيد على عشرة أيام.
والسؤال الأهم هو: هل توجد معسكرات تدريب على الإرهاب في أدغال مكة المكرمة والمدينة المنورة، وفي منحنيات جبل عرفات أو وديان منطقة منى؟!.
على حدِّ علمنا أن المملكة العربية السعودية هي إحدى أكثر دول العالم حماسةً في مكافحة الإرهاب، وزجَّت بأكثر من 20 ألف شرطي ورجل أمن لتأمين موسم الحج من أي أعمال عنف، ويبدو أن المسئولين الإسرائيليين- والذين أطلقوا هذه الذرائع، وسلَّم بها نظراؤهم المصريون- يتحدثون عن حجٍّ في تورا بورا، أو منطقة وزيرستان الحدودية بين باكستان وأفغانستان، وليس حجًّا إلى مكة المكرمة الذي نعرفه.
إسرائيل تتعمَّد إهانة النظام المصري وتدمير ما تبقى له من مصداقية، وبدلاً من أن يتصدَّى هذا النظام لهذا الإذلال، بما يتناسب مع حجم مصر ومكانتها وكرامة شعبها، وتضحياته المشرفة وإرثه الوطني والتاريخي، يستأسد على حُجَّاجٍ فلسطينيين مرضى وطاعنين في السن، ويتعمَّد إذلالهم وإهانتهم؛ حتى يثبت للإسرائيليين والأمريكان أنه ينفِّذ مطالبهم وإملاءاتهم على الوجه الأكمل.
ماذا ستفعل إسرائيل وأمريكا عقابًا لمصر إذا ما سمحت لحُجَّاج غزة بالعودة عبر معبر رفح؟!.. هل ستنفذ تهديداتها باقتطاع مائة مليون دولار من المساعدات؟! وهل ستنهار مصر إذا ما اقتطع هذا المبلغ؟!.
مصر لن تنهار، وهذا المبلغ لن يؤدي إلى تجويع شعبها إذا ما توقف؛ فملياردير واحد من هؤلاء المنتفعين من النظام والملتفين حوله يستطيع أن يسدِّد هذا المبلغ الذي يعتبر "فكة" بالنسبة لشخصٍ مثل مَلِك الحديد، أحد أبرز أعمدة النظام والكثيرين من أمثاله، واعفونا من ذكر الأسماء.
النظام المصري يملك أسلحةً قويةً يستطيع- لو استخدم بعضها- أن يركِّع إسرائيل وأمريكا، خاصةً أن سياسات الأخيرة الخارجية تنتقل من فشلٍ إلى آخر في العراق وأفغانستان وأخيرًا في باكستان، وباتت بحاجةٍ إلى مصر أكثرَ من حاجة مصر إليها.
ماذا لو غضَّت الحكومة المصرية النظر عن هجرة الأفارقة إلى إسرائيل عبر سيناء؟! أو لو أدارت ظهرها لعمليات تهريب الأسلحة إلى المقاومة في قطاع غزة؟!، ونحن هنا لا نتحدث عن فتح الحدود المصرية لملايين المتطوعين المصريين الذين يريدون الاستشهاد دفاعًا عن كرامة الأمة والعقيدة على أرض فلسطين المغتصبة.
النظام المصري يملك الكثير من أوراق القوة ضد إسرائيل وأمريكا، ولكنه اختار المسكنة والتذلل والتخلِّي عن دوره القيادي في المنطقة؛ من أجل حفنة من الفضة الأمريكية، وهو وضعٌ لا يستحقِّه الشعب المصري المشهود له بالوطنية وعزة النفس والتضحية من أجل كرامة بلاده وأمته، ومن المؤكد أن صبره ليس بلا حدود.
الخطر الذي لا يدركه مستشارو هذا النظام أن هذه السياسات التي تخدم الأمن الإسرائيلي ربما تؤدي إلى نتائج عكسية على الأمن المصري نفسه؛ فأنفاق رفح هي طريقٌ في اتجاهين، وإذلال شعبٍ والمشاركة في حصاره وتجويعه وإذلاله بالطريقة التي نراها ربما تدفع بعض المتطرفين في أوساطه للتصرف بطريقةٍ لا تتسم بالحكمة والعقل، وأحداث طابا وشرم الشيخ الأخيرة هي خير مثالٍ على النتائج التي ترتبت على إذلال مواطني سيناء وتهميشهم ومعاملتهم كمواطنين من الدرجة العاشرة.
------------
* صحيفة القدس العربي